بِقَلَمِ دُكْتُورَة دُعَاء مَعَاطِي
أَعُودُ كُلَّ يَوْمٍ آتِيكَ يَا أبِي الأَزْهَر، أَتَجَاذَبُ مَعَكَ أَطْرَافَ الحَدِيثِ. قَضَيْتُ بَيْنَ جُدْرَانِكَ طُفُولَتِي وَشَبَابِي، آتِيكَ أَتَزَوَّدُ مِنْ تَارِيخِكَ.
الأَزْهَر: لِمَ أَتَيْتِ اليَوْمَ؟
أَتَيْتُكَ لأَنِّي عَلَى مَوْعِدٍ مَعَكَ أَنْهَلُ مِنْ تَارِيخِكَ، فَمَا عُمْرِي بِجِوَارِ عُمْرِكَ. حَدِّثْنِي يَا أَزْهَرُ عَنْ وَلَدٍ مِنْ أَوْلاَدِكَ نَمَا وَكَبُرَ بَيْنَ جُدْرَانِكَ.
الأَزْهَر: هَلْ تَرَيْنَ هَذَا العَمُودَ؟ كَانَ يَجْلِسُ بِجِوَارِهِ دَائِمًا ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيُّ، هَلْ تَعْرِفِينَهُ؟
سَمِعْتُ عَنْهُ يَا أَزْهَرُ، هَلْ هُوَ المُلَقَّبُ بِشَيْخِ الإِسْلاَمِ؟
الأَزْهَر: نَعَمْ هُوَ مَا قُلْتِ. هَذَا الصَّبِيُّ وُلِدَ فِي مِصْرَ القَدِيمَةِ بِالفُسْطَاطِ وَلاَزَالَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَعْمِدَتِي وَيَنْهَلُ مِنْ عُلُومِي حَتَّى لُقِّبَ بِشَيْخِ الإِسْلاَمِ وَالحَافِظِ وَأَمِيرِ الحَدِيثِ.
مَا هُوَ مَذْهَبُهُ يَا أَزْهَرُ؟
الأَزْهَر: مَذْهَبُهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحَبَّ طَرِيقَةَ الأَشَاعِرَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَسَارَ مِنْهُمْ.
هَلْ تُحِبُّ ابْنَ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيَّ يَا أَزْهَرُ؟
الأَزْهَر: أَحِبُّهُ فَقَطْ؟ وَقَدْ أَتَانِي يَحْبُو وَسَارَ بِعِلْمِي بَيْنَ جَوَانِبِهِ حَتَّى وَافَتْهُ مَنِيَّتُهُ، كَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الأَعْمِدَةِ إِلَى الحِجَازِ وَالعِرَاقِ وَيَأْتِي مُحَمَّلاً بِعِلْمِ الحَدِيثِ وَيُلْقِي هُنَا بَيْنَ هَذِهِ الجُدْرَانِ لِبَاقِي أَبْنَائِي، لِذَا أُحِبُّهُ حُبَّ الأَبِ لاِبْنِهِ البَارِّ.
مَا رِحْلاَتُ ابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيِّ يَا أَزْهَرُ دَاخِلَ مِصْرَ؟
الأَزْهَر: كَانَتْ بِدَايَةُ رِحْلاَتِهِ دَاخِلَ مِصْرَ عَامَ ٧٩٣ مِنَ العَامِ الهِجْرِيِّ، أَقَامَ هَذَا العَامَ فِي الإِسْكَنْدَرِيَّةِ التَقَى فِيهِ مَعَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَالمُسْنِدِينَ، وَمِنْهُمْ التَّاجُ بْنُ الخَرَّاطِ وَابْنُ الحَسَنِ التُّونِسِيُّ.
وَمَا رِحْلاَتُهُ خَارِجَ مِصْرَ؟
الأَزْهَر: ذَهَبَ إِلَى الحِجَازِ قَاصِدًا جِوَارَ الكَعْبَةِ، وَاليَمَنَ، وَذَهَبَ إِلَى الشَّامِ. لَوْ ضِفْتُ اسْمًا إِلَى ابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيِّ لَلَقَّبْتُهُ بِـ “رَحَّالَةِ الحَدِيثِ”.
صِفِ لِي ابْنَ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيَّ يَا أَزْهَرُ، اِشْتَقْتُ لِمَعْرِفَتِهِ.
الأَزْهَر: هَلْ تَوَدِّينَ أَنْ أَصِفَ خَلْقًا وَشَكْلاً أَمْ خُلُقًا؟
صِفْهُ لِيَ الاِثْنَيْنِ يَا أَزْهَرُ، فَقَدْ تَرَبَّى فِي حِجْرِكَ أَعْوَامًا أَيُّهَا الأَبُ المَجِيدُ وَتَعْلَمُهُ أَكْثَرَ مِنَ الجَمِيعِ.
الأَزْهَر: وَصْفُهُ خَلْقًا: كَانَ أَقْرَبَ إِلَى القِصَرِ، أَبْيَضَ اللَّوْنِ، مَلِيحَ الوَجْهِ، قَصِيرَ الشَّارِبِ، أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ.
أَمَّا وَصْفُهُ خُلُقًا: فَيَتَمَيَّزُ بِالعَقْلِ وَالحِكْمَةِ وَالوَقَارِ وَالهَيْبَةِ، كَثِيرَ الصِّيَامِ، وَمُوَاظِبَ العِبَادَةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَأَكْثَرَ أَهْلِ عَصْرِهِ بِمُدَارَاةِ أُمُورِ النَّاسِ.
مَا أَشْهَرُ مُؤَلَّفَاتِهِ يَا أَزْهَرُ؟
الأَزْهَر: كِتَابُ نُزْهَةِ الأَلْبَابِ فِي الأَلْقَابِ، وَفَتْحُ البَارِي شَرْحُ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، وَتَهْذِيبُ التَّهْذِيبِ، وَتَقْرِيبُ التَّهْذِيبِ، وَالإِصَابَةُ فِي تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ.
مَا أَشْهَرُ مَوَاقِفِ ابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيِّ؟
وَهَلْ هُنَاكَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ابْنُ حَجَرٍ أَشْهَرَ مُحَدِّثٍ بِسُنَّةِ نَبِيِّ اللهِ مِنَ القَرْنِ الثَّامِنِ وَحَتَّى الآنَ.
مَتَى تُوُفِّيَ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيُّ يَا أَزْهَرُ؟
الأَزْهَر: تُوُفِّيَ 2 فِبْرَايِر 1449.
مَاذَا قَالَ النَّاسُ فِي وَفَاتِهِ؟
قَالُوا: “اِنْهَدَمَ الرُّكْنُ الَّذِي كَانَ مُشَيَّدًا مِنَ الحَجَرِ”. وَوَدَّعُوهُ فِي جِنَازَةٍ حَضَرَهَا السُّلْطَانُ سَيْفُ الدِّينِ جَقْمَقُ سُلْطَانُ المَمَالِيكِ فِي هَذَا العَصْرِ.
مَا أَعْظَمَكَ يَا أَزْهَرُ! مَنَحْتَ أَبْنَاءَكَ العَظَمَةَ أَحْيَاءً، وَجَعَلْتَ المُلُوكَ يَدْفِنُونَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ.
الأَزْهَر: مَا زِلْتِ طِفْلَةً! وَهَلْ هُنَاكَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِ العِلْمِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ؟ إِلَى اللِّقَاءِ يَا أَزْهَرُ فِي لِقَاءٍ آخَرَ لِيَعْلَمَ أَهْلُ الأَرض مَنْ تَكُونُ وَمَنْ هُمْ أَبْنَاؤُكَ.

