… إستكمالا لما سبق ، فبعد لقاءي بمدير حديقة الحيوان وحوارنا عن الفيل ، الذي إستكان للقيد الحديدي في قدميه ، ولم يفكر للحظة أن يستغل قوته في الفكاك منه ، وبعد تفسيره المادي والمعنوي والنفسي لهذا الموقف لم يمر الموقف أمامي مرور الكرام
… فهذه الأمور لا تمر دون تحليل وتفسير نفسي وإجتماعي وإقتصادي وأحيانا سياسي ، فنحن في حقيقة الأمر أشبه بأفيال حديقة الحيوان ، إنني لا أعمم ، بل وأرفض التعميم ، ولكنني أتحدث عن الأغلبية الساحقة ، نشأنا منذ نعومة أظافرنا ، في ظل عادات وتقاليد وأفكار ومعتقدات لانملك لها رفضًا ، بل إن محاولة الرفض غير واردة أصلاً ، كيف نرفض مانعتقد أنه الحق المبين ؟! ، ولسان حالنا يقول (هذا ماألفينا عليه ٱباءنا وإنا على ٱثارهم لمهتدون)
… فأنت مثلاً إذا ذهبت إلى أحد السجون ، وتحاورت مع أحد القتلة الذين قاموا بالقتل أخذًا لثأر عائلي ، ستجده يدافع عن جريمته بل ويفتخر بوصفها عملاً رائعًا ، وحقًا مشروعًا ، ولن يقتنع بكل ماتقدمه له ، من حجج وأدلة منطقية ، على بشاعة ماقام به من إزهاق نفس ، بل قد تجده لايتورع عن القيام بالفعل نفسه لو عاد به الزمن إلى الوراء ، هكذا تربى ونشأ ، ورضع أفكاره ومعتقداته وعاداته وتقاليده ، على النحو نفسه الذي رضع به لبن الأم
… قس على ذلك كثيرًا من الأفكار والمفاهيم والمعتقدات والعادات والتقاليد ، التي تعوق تقدمنا ورقينا ، وتكبل حريتنا كبشر متحضرين
… ولماذا نذهب بعيدًا ونأتي بأمثلة عن القتلة والمجرمين ونزلاء السجون ، دعنا نتحدث عن المواطن العادي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، نحن منذ طفولتنا المبكرة ، كنا محاصرين بالتنبيهات والإشارات والنصائح والأوامر والنواهي ، ومن تلك النصائح والأوامر التي كانت تُوجه إلينا دومًا (إحترم الكبير)
ولم يحرص من قام بتوجيه هذه النصيحة لنا أن يضع شرطًا بأن يكون هذا (الكبير) محترمًا من الأصل ونزيهًا ، بل المطلوب طاعة الكبير بصورة مطلقة حتى لو أمرنا بمعصية الله ، والغريب أنه يستشهد بالآية القرآنية الكريمة التي تقول (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، قد فهمها الناس في بلادنا ، على أنها تدعو إلى طاعة ولي الأمر طاعة عمياء ، وعدم مخالفته وعصيانه ، أيًا كان شأنه صالحًا أو طالحًا وفي كل الظروف والمناسبات سواء في البيت أو العمل أو ما شابه ذلك ونسي أن طاعة ولي الأمر مشتقة من طاعة الله ورسوله
… اللافت للنظر تفشي مبدأ الطاعة العمياء في أغلب مناحي حياتنا ناسين أو متناسين أنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ، إذ نستجيب إلى أوامر المديرين ورؤساءنا في العمل ، حتى وإن كنا على يقين من عدم صواب تلك الأوامر الموجهة إلينا ، إعتدنا ذلك ، وهذا ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا ، والغريب في الأمر أن المرؤوس الذي كان يحلو له دومًا الإستجابة العمياء لأوامر الرؤساء ، رغم قناعته بعدم صوابها ، ما إن يتول منصبًا كبيرًا ، فإنه يسارع إلى ممارسة القهر والإستبداد وفرض الرأي وإصدار الأوامر على زملائه الذين كان بالأمس واحدًا منهم ، فقد أصبح الخضوع والخنوع وتنفيذ الأوامر الصادرة إلينا جزءًا من تركيبتنا الجينية والنفسية ، وأقرب إلى الجينات الوراثية ، وإذا إستطردنا في حديثنا عن الأغلال الظاهرة والخفية ، فلن ننتهي
… والله المستعان
… تحياتي …

