الفقد تجربة إنسانية عميقة تعيد ترتيب الداخل كله، لحظة ينكسر فيها الإيقاع المعتاد للحياة، ويختل فيها التوازن بين ما كان وما لن يعود. لا يأتي الفقد دائمًا على هيئة موت، فقد نفقد إنسانًا وهو حي، أو نفقد شعورًا، أو أمانًا، أو نسخة قديمة من أنفسنا لم نعد قادرين على استعادتها.
أقسى ما فيه أنه لا يطلب الإذن، ولا يمنح مهلة للاستعداد. يدخل الحياة فجأة، يترك فراغًا لا يُملأ، وأسئلة بلا إجابات. وفي البداية، لا يكون الحزن هو الشعور المسيطر، بل الذهول. ذهول من فكرة أن ما كان ثابتًا قد اختفى، وأن ما اعتدنا عليه صار ذكرى.
فما بالك عزيزي القارئ بفقدُ الأم و الأب معاً الذي لا يمثل حزنًا عاديًا، ولا تجربة يمكن اختصارها في كلمات تعزية مألوفة. هو زلزال داخلي يهزّ أعمق ما في الإنسان، ويترك فراغًا لا يشبه أي فراغ آخر. فالأبوان ليسا مجرد أشخاص نحبهم، بل هما الجذر، والأمان الأول، والمرآة التي رأينا فيها أنفسنا للمرة الأولى.
حين ترحل الأم، يرحل معها صوت الطمأنينة. ذلك الصوت الذي كان يكفي لسكون الخوف، وتخفيف الوجع، وترميم الأيام الثقيلة. الأم لا تُعوّض، لأنها كانت تمنح بلا حساب، وتحمل عنا ما لا نحتمل، وتحب حتى في أشد لحظاتنا ضعفًا. بعد فقدها، يصبح العالم أكثر برودة، مهما ازدحم بالناس.
وحين يرحل الأب، يسقط عمود من أعمدة الثبات. الأب هو الشعور الخفي بالقوة، حتى إن لم يكن حاضرًا دائمًا. هو السند الصامت، والظل الذي نشعر به أكثر مما نراه. بفقده، يدرك الإنسان فجأة أنه كبر قبل أوانه، وأن بعض الأبواب التي كانت تُفتح تلقائيًا أصبحت موصدة.
وأشد ما في هذا النوع من الفقد أنه دائم. لا يعود كما كان، ولا يمنح فرصة ثانية. وكل ما يُقال عن “الوقت الذي يشفي” ليس دقيقًا تمامًا؛ الوقت لا يشفي، لكنه يعلّمنا كيف نعيش بالألم دون أن نموت بسببه. نتعلم كيف ننهض وفي القلب ثقل، وكيف نبتسم والحنين حاضر، وكيف نواصل الحياة ونحن نعلم أن شيئًا جوهريًا قد غاب.
يمرّ الإنسان بعد الفقد بلحظات قاسية من الأسئلة: ماذا لو؟ لو قلت، لو فعلت، لو تأخرت دقيقة أقل أو أكثر. ويأتي الندم أحيانًا كضيف ثقيل، رغم أن العقل يعلم أن ما كان قد كان. هنا يكون الصبر الحقيقي، ليس صبر اللسان، بل صبر القلب الذي يحاول أن يسامح نفسه.
اللافت أن الفقد لا يعلّمنا الحزن فقط، بل يعلّمنا الرحمة. من فقد، يصبح ألين قلبًا، وأكثر فهمًا لآلام الآخرين، وأقل قسوة في أحكامه. يعرف أن كل إنسان يحمل قصة، وربما حزنًا لا يظهر.
ومع مرور الأيام، لا يتلاشى الشوق، لكنه يتحول إلى حضور صامت. نحمل من فقدنا في دعائنا، وفي ذاكرتنا، وفي مواقف تشبههم. نكتشف أن الغياب لا يعني الانقطاع، وأن بعض العلاقات لا تنتهي بالموت، بل تتغير صورتها فقط.
فقد الأم أو الأب امتحان قاسٍ، لكنه يترك في الإنسان عمقًا مختلفًا. عمقًا يجعله أكثر وعيًا بقيمة من بقي، وأكثر حرصًا على الحب، وأشد إدراكًا أن الحياة لا تؤجَّل، وأن الكلمة الطيبة، والاحتواء، والاهتمام، ليست أمورًا بسيطة كما نظن… إلا بعد الفقد.
رحم الله من رحلوا، وجبر قلوب من بقوا، ومنحنا جميعًا القدرة على أن نحب بصدق، قبل أن يصبح الحب ذكرى ،وان نتخطى مصابنا بقلوب مؤمنة ثابتة.

