بين جدران مستشفى الطوارئ بجامعة المنصورة، حيث لا وقت للراحة ولا مجال للخطأ، كانت هناك طفلة صغيرة ذات أحد عشر عاماً، تحمل في صدرها “قنبلة موقوتة” من الألم. تلك الجميلة التي ولدت بإعاقة ذهنية، لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها اختباراً صعباً، وأن هناك “جيشاً من أصحاب المعاطف البيضاء” يقفون كالسد المنيع بينها وبين المجهول.
التحدي: صمتٌ يسبق العاصفة
لم تكن الإصابة عادية؛ بل تمددٌ مرضي في الشريان الأيمن الرئيسي أسفل عظمة الترقوة. هذا الشريان ليس مجرد وعاء دموي، بل هو شريان الحياة الذي يغذي المخ والرقبة والذراع الأيمن. أي خطأ، أو حتى تأخير بسيط، كان يعني فقدان وظائف حيوية أو ما هو أسوأ.
”فرقة النخبة”: حينما يجتمع العلم والإخلاص
لم يكن القرار سهلاً، ولم يكن الوقت في صالح الأطباء. لكن، حينما تجتمع خبرات عمالقة الطب في “مركز جراحة القلب والصدر والأوعية الدموية” بالمنصورة، يتحول الخوف إلى ثقة، والارتباك إلى خطة محكمة.
بقيادة الدكتور أمير فكري، مدير المستشفى، تشكل فريق من أمهر الجراحين:
شيخ جراحي القلب والصدر، الأستاذ الدكتور نور الدين نعمان.
رئيس قسم جراحة الأوعية الدموية، الأستاذ الدكتور حسام الوكيل.
الجراح الماهر، الأستاذ الدكتور محمد سند.
كتيبة من الأطباء الشباب والتمريض الذين عملوا بروح الفريق الواحد.
4 ساعات من الترقب والأمل
داخل غرفة العمليات، كانت الأنفاس محبوسة. كل دقيقة تمر كانت تمثل صراعاً مع الزمن لإنقاذ الشريان دون الحاجة لاستبداله برقعة جراحية، للحفاظ على سلامة أعضاء الطفلة الحيوية.
وبفضل الله، ثم بمهارة هؤلاء الأبطال، تحققت المعجزة. لم تُستبدل الأوعية، وخرجت الطفلة من العملية بسلام، دون أدنى تأثير على مخها أو ذراعها.
”نملك في مصر نوعية فاخرة من الأطباء، يعزفون سيمفونية راقية داخل غرفة العمليات، في ثقة وتجرد، حتى في الساعات الأولى من الصباح، وحتى لو كان ذلك في أيام الشهر الفضيل.”
تحية للجيش الأبيض
هؤلاء الجراحون، الذين عادوا إلى منازلهم منهكين ولكن بقلوب عامرة بالرضا، هم الوجه الحقيقي لمصر. إنهم لا يعالجون الأجساد فقط، بل يرممون أمل عائلات بأكملها.
لندعُ جميعاً لهذه الطفلة بالشفاء التام، ولنحيي هؤلاء الأبطال الذين أثبتوا أن الطب في مصر بخير، ما دام هناك أطباء يحملون الأمانة بكل هذا التقدير والإخلاص.

