لم تكن سارة الطفلة المشاغبة، ولا قليلة الذكاء، ولا صعبة الطباع.
كانت هادئة أكثر مما ينبغي، مطيعة، تحاول دائمًا أن تفعل “الصح”.
ومع ذلك، كانت تشعر منذ وقت مبكر أن هناك مسافة خفية تفصلها عن قلب البيت.
لم يقل لها أحد يومًا إنها أقل،
لكن التفاصيل الصغيرة كانت تقوم بالمهمة كاملة.
نبرة الصوت، سرعة اللوم، وكمّ الصبر الممنوح لها مقارنة بغيرها.
أشياء لا تُناقَش، لكنها تُحفَظ جيدًا في ذاكرة طفل.
كانت سارة تشعر أنها داخل دائرة غير مرئية،
كلما حاولت الاقتراب، عادَت إلى النقطة نفسها.
لا خروج… ولا تفسير.
ذات مساء، جلست سارة في غرفة المعيشة،
تضم بين يديها دفتر الرسم الذي سهرت الليلة الماضية تُلوّنه بعناية.
انتظرت اللحظة المناسبة، ثم اقتربت من أمها.
سارة (بتردد):
ماما… ممكن تبصي على الرسمة دي؟
المدرّسة قالت إنها حلوة.
لم ترفع الأم رأسها.
كانت منشغلة بترتيب أشياء أختها.
الأم (بفتور):
مش دلوقتي يا سارة… بعدين.
وقفت سارة مكانها، لم تتحرك.
بعد ثوانٍ، دخلت الأخت الصغيرة، تحمل ورقة مطوية.
الأخت:
ماما، شوفي أنا رسمت إيه.
تركت الأم ما في يدها فورًا،
أمسكت بالورقة، ابتسمت ابتسامة واسعة.
الأم:
الله! برافو يا حبيبتي… شاطرة أوي.
راقبت سارة المشهد في صمت.
نظرت إلى دفترها، ثم أغلقت صفحته ببطء، وكأنها تُغلق شيئًا أعمق من ورقة.
وهي تعود لمكانها، تعثرت قدمها، وسقط كوب الماء من يدها، وانتشر على الأرض.
الأم (بانفعال):
إيه ده؟!
إنتِ دايمًا كده… مش مركّزة ولا بتاخدي بالك!
سارة (مرتبكة):
غصب عني والله يا ماما… هأنضّف.
الأم:
سيبيه.
إنتِ ما تعرفيش تعملي حاجة صح.
دخل الأب في تلك اللحظة، نظر إلى الأرض.
الأب:
في إيه؟
الأم (بحسم):
سارة وقّعت الكوباية.
لم تقل سارة شيئًا.
لم تُشر إلى أن أختها كانت قبل دقائق قد سكبت العصير ولم يُلاحظ أحد.
تعلمت مبكرًا أن الدفاع لا يغيّر النتيجة.
دخلت غرفتها، أغلقت الباب، وجلست على السرير.
نظرت حولها…
غرفة ضيقة، صامتة، تشبه الإحساس الذي يسكنها.
في تلك اللحظة، لم تشعر بالغضب،
ولا بالحزن.
شعرت بأنها محبوسة وحدها داخل دائرة مغلقة:
تفعل الصواب ولا تُرى،
تخطئ خطأً عابرًا فتُدان،
تحاول الخروج… فتعود من حيث بدأت.
ومنذ ذلك اليوم،
لم تعد تسأل: لماذا لا يحبونني؟
بل بدأت تتصرّف على أساس أخطر:
أن هذا هو مكانها الطبيعي.
يتبع… (الجزء الثاني)

