صدر قرار مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية رقم 278 لسنة 2025 بهدف تنظيم نشاط تحصيل المستحقات المالية الناتجة عن أنشطة التمويل غير المصرفي، من خلال إنشاء سجل رسمي لقيد الشركات العاملة في هذا المجال، ومنع التعامل مع الجهات غير المقيدة، وذلك في إطار تعزيز الحوكمة وحماية حقوق العملاء
ورغم وجاهة الهدف التنظيمي للقرار، إلا أن التطبيق العملي له كشف عن تحديات حقيقية جعلته غير متناسب مع أوضاع وقدرات غالبية شركات تحصيل الديون، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، ويمكن توضيح ذلك في النقاط التالية:
أولًا: ارتفاع متطلبات القيد مقارنة بحجم الشركات
فرض القرار مجموعة من الضوابط والإجراءات التنظيمية والمالية التي قد تكون مناسبة للشركات الكبرى أو المرتبطة بمؤسسات تمويل ضخمة، لكنها تمثل عبئًا كبيرًا على معظم شركات التحصيل التي تعمل بهوامش ربح محدودة، وتعتمد على التشغيل اليومي وليس على رؤوس أموال كبيرة أو هياكل إدارية معقدة
ثانيًا: تجاهل التنوع في طبيعة نشاط شركات التحصيل
القرار تعامل مع شركات تحصيل الديون باعتبارها كيانًا واحدًا متجانسًا، في حين أن الواقع العملي يثبت وجود تفاوت كبير بين الشركات من حيث:
حجم المحفظة
نوع العملاء
النطاق الجغرافي
طبيعة التعاقد (ميداني – هاتفي – قانوني)
هذا التجاهل أدى إلى تطبيق ضوابط موحدة لا تراعي الفروق الجوهرية بين الشركات، ما يهدد بخروج عدد كبير منها من السوق
ثالثًا: آثار سلبية محتملة على المنافسة وسوق العمل
منع الجهات العاملة في التمويل غير المصرفي من التعامل مع شركات غير مقيدة قد يؤدي عمليًا إلى:
تقليص عدد الشركات العاملة
احتكار النشاط لصالح عدد محدود من الكيانات الكبرى
فقدان آلاف فرص العمل المرتبطة بشركات التحصيل الصغيرة والمتوسطة
وهو ما يتعارض مع أهداف الدولة في دعم المشروعات الصغيرة وخلق فرص العمل
رابعًا: غياب فترات انتقالية كافية
رغم أن القرار يُعد خطوة تنظيمية مهمة، إلا أن غياب فترة انتقالية مرنة لتوفيق الأوضاع جعل العديد من الشركات غير قادرة على الامتثال الفوري للضوابط الجديدة، مما وضعها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التوقف عن النشاط أو العمل خارج الإطار المنظم، وهو ما يتناقض مع فلسفة التنظيم نفسها
خامسًا: الحاجة إلى حوار مجتمعي أوسع
كان من الأفضل إشراك ممثلي شركات تحصيل الديون بمختلف أحجامها في حوار مجتمعي موسع قبل إصدار القرار، للوصول إلى ضوابط تحقق التوازن بين التنظيم وحماية السوق، وبين الاستمرارية والامتثال، خاصة أن القرار يُعد الأول من نوعه في هذا النشاط
وفي النهاية
لا خلاف على أهمية تنظيم نشاط تحصيل الديون وضرورة حماية حقوق العملاء وتعزيز الشفافية، إلا أن القرار رقم 278 لسنة 2025 بصيغته الحالية لا يتناسب مع الواقع الفعلي لمعظم شركات تحصيل الديون، ويحتاج إلى إعادة نظر أو تعديل مرن يراعي اختلاف أحجام الشركات، ويضمن استمرارية النشاط دون الإضرار بالسوق أو بالعاملين فيه

