هاله المغاورى فيينا
وسط حضور جماهيري كبير وتفاعل لافت من الأوساط الثقافية الأوروبية، انطلقت فعاليات النسخة الخامسة من مهرجان كلاغنفورت في جنوب النمسا مايو 2025 ، لتؤكد المدينة من جديد موقعها المتقدم على خارطة الفنون في منطقة الألب–أدريا. المهرجان، الذي يستمر حتى 13 يونيو، تحول خلال أيامه الأولى إلى منصة حية للفكر، والإبداع، والاحتجاج الفني، جامعًا بين المسرح والموسيقى والأدب والفن السياسي، ومؤكدًا أن الثقافة لا تزال قادرة على طرح الأسئلة الكبرى.
بعيدًا عن النمط التقليدي للمهرجانات الفنية، اختار مدير المهرجان بيرند ليبولد-موسر أن يُحمّل هذه الدورة بعدًا سياسيًا واضحًا، من خلال برمجة جريئة تسعى لمواجهة ما أسماه بـ”اللاثقافة” – أي التراجع المستمر في القيم الثقافية والفكرية على مستوى العالم.
“الفن يجب أن يُفكر ويُعارض، لا أن يُزين فقط”، بهذه الكلمات لخص ليبولد-موسر فلسفة هذه الدورة.
استقطب المهرجان نخبة من الفنانين المعروفين على الصعيدين المحلي والدولي، كان أبرزهم:
في المسرح: • فيليب هوخماير • بن بيكر • لارس آيدينغر • نيكولاس أوفشارك • بيبيانه بيغلاو
في الموسيقى: • النجم السويسري Bonaparte • المغنية الهولندية Kovacs • المغنية النمساوية Clara Luzia، المعروفة بأسلوبها الشعري.
في الأدب: • الكاتب الألماني صاحب الكتب الأكثر مبيعًا بنيامين فون شتوكراد-بارّه، الذي قدم قراءة خاصة في باحة القلعة “Burghof”.
من أكثر فقرات المهرجان إثارة للجدل كانت العروض ذات الطابع السياسي، حيث قدمت فرقة Pussy Riot الروسية عرضًا احتجاجيًا لاقى تفاعلًا كبيرًا، فيما مزجت فرقة Tiger Lillies البريطانية بين الأداء الغنائي والمسرحي بروح ساخرة وسوداوية.
كما ساهمت منصة السخرية الرقمية “Die Tagespresse” في تقديم عرض نقدي يتناول مفاهيم “الهوية النمساوية” بطريقة غير تقليدية.
لا يقتصر أثر المهرجان على الجانب الثقافي، بل بات يشكل رافعة اقتصادية وسياحية للمدينة، حيث شهدت تذاكر العديد من الفعاليات إقبالاً كثيفًا منذ الأيام الأولى، ما ساهم في إنعاش قطاعي السياحة والخدمات في كلاغنفورت. وتؤكد المدينة أن المهرجان أصبح جزءًا أساسيًا من صورتها الجديدة كـ”عاصمة ثقافية مفتوحة على العالم”.
يثبت مهرجان كلاغنفورت عامًا بعد عام أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة. وبينما تتزايد التحديات التي تواجه المجتمعات الأوروبية، يصر هذا الحدث الفريد على أن يكون مساحة للتفكير، والاحتجاج، والاحتفال بالحياة – بكل تناقضاتها.

