ثمة أشياء في حياتنا تبدأ بصخب هائل، حتى يخيل إليك أن العالم كله قد توقف ليتابعها، ثم تنتهي في صمتٍ مدهش، كأنها لم تكن. صورةٌ تتصدر الشاشات، جملةٌ تتناقلها الألسن، شخصٌ يصبح في ساعات حديث الناس، ومقطعٌ يتجاوز ملايين المشاهدات، ثم يأتي صباحٌ جديد، فيبحث الناس عن ترندٍ آخر، وكأن ما ملأ الدنيا بالأمس لم يكن أكثر من عابر سبيل في ذاكرةٍ لا تحتفظ إلا بالجديد. وهنا أسأل نفسي وأسألكم: ماذا بعد الترند؟ ذلك هو السؤال الذي لا نكاد نطرحه. نحن بارعون في صناعة الهَبّات، لكننا أقل براعة في صناعة الأثر. نرفع شخصاً إلى قمة المشهد في ساعات، ثم نهبط به من الذاكرة في ساعات أخرى، ونمنح حدثاً عابراً حجماً يفوق حجمه الحقيقي، ثم نتركه يموت بمجرد أن يظهر ما هو أكثر إثارة. ولا أريد أن أكون ضد «الترند» من حيث المبدأ؛ فالترند قد يكون أداةً عظيمة لتسليط الضوء على قضية حقيقية، أو كشف مشكلة مسكوت عنها، أو دعم إنسان، أو تحريك رأي عام نحو قضية تستحق الاهتمام. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الانتشار غايةً في ذاته، وحين يصبح السؤال: «كم مشاهدة؟» أهم من: «ماذا قدمنا؟»، وحين يصبح معيار نجاح الفكرة عدد الذين شاهدوها، لا عدد الذين تغير شيء في حياتهم بسببها. والحقيقة التي ينبغي أن نعترف بها أن الترند لا يعيش من تلقاء نفسه؛ نحن الذين نمنحه الحياة. نحن الذين نفتح المقطع، ونشاهده، ونعيد نشره، ونعلق عليه، ونتناقله في البيوت والمقاهي ومواقع التواصل، حتى يتحول موقف صغير إلى حالة عامة. وهنا تظهر خصوصية المجتمع المصري؛ فالمصري ليس مجرد مستخدم لوسائل التواصل، وإنما هو ابن ثقافة شعبية شديدة الحيوية، سريع الالتقاط للمفارقة، بارع في صناعة النكتة، وقادر على تحويل كلمة عابرة إلى لازمة، وموقف بسيط إلى حديث بلد بأكمله. وهذه القدرة ليست عيباً، بل يمكن أن تكون واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة للمجتمع المصري، لكن السؤال ليس: هل نحن قادرون على صناعة الترند؟ وإنما: هل نحن قادرون على اختيار ما يستحق أن نصنعه ترنداً؟ لقد رأينا خلال السنوات الأخيرة هَبّات رقمية كثيرة؛ بعضها كشف قضية مهمة، وبعضها منح إنساناً مظلوماً فرصة لسماع صوته، وبعضها جمع التبرعات لمحتاج، أو دفع مؤسسة إلى التحرك، أو لفت الانتباه إلى مشكلة اجتماعية لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي. وهذا هو الوجه المضيء للترند. لكن هناك وجهاً آخر لا ينبغي أن نتجاهله؛ ترندات تقوم على السخرية أو الإثارة أو الفضول أو تقليد الآخرين، ثم تنتهي فجأة دون أن تترك وراءها معرفة أو قيمة أو أثراً. ومن بين النماذج التي تستحق التوقف عندها ظاهرة «قاع الهامور»، التي خرجت فجأة إلى المشهد، وانتشرت، وتناقلها الناس، ثم خفت حضورها مع ظهور موجة جديدة. ولا أتوقف هنا عند الأشخاص أو تفاصيل المحتوى، وإنما عند الظاهرة ذاتها: ماذا قدمت للمجتمع؟ وماذا بقي منها بعد أن هدأ الضجيج؟ هل خرج منها مشروع اجتماعي؟ هل تعلم منها أبناؤنا قيمة جديدة؟ هل دفعت شاباً إلى العمل؟ هل عالجت مشكلة؟ هل فتحت نقاشاً جاداً حول قضية مصرية؟ أم أننا شاهدنا، وضحكنا، وشاركنا، وقلنا «شايف الترند؟»، ثم انتقلنا جميعاً إلى ترند آخر؟ هذه ليست إدانة لأحد، وإنما محاولة لقراءة طريقة تفكير بدأت تتسلل إلى وعينا الجمعي؛ أن نخلط بين الشهرة والقيمة. فالشهرة قد تكون لحظة، أما القيمة فتبقى. قد ينتشر مقطع سخيف في ساعات، بينما يحتاج كتاب عظيم إلى سنوات كي يجد قراءه، وقد تصبح جملة عابرة حديث الناس طوال يومين، بينما يقضي باحث سنوات في دراسة قضية لا يلتفت إليها أحد. فهل يعني ذلك أن المقطع أهم من البحث؟ بالطبع لا. لكن الخطر أن يبدأ المجتمع في قياس الأشياء بمقياس الانتشار وحده. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: كم ترنداً نتذكره من العام الماضي؟ وكم فكرة تعلمناها منه؟ وكم قضية هزت الرأي العام لأيام، ثم عادت المشكلة نفسها بعد أن هدأت العاصفة؟ هذه الأسئلة لا ينبغي أن تخيفنا، لكنها يجب أن توقظنا؛ لأن الترند يشبه النار، يمكن أن يضيء ويمكن أن يحرق. إذا استخدمناه لتسليط الضوء على قضية تستحق، أصبح قوة مجتمعية، وإذا استخدمناه لمجرد ملء الفراغ، أصبح استهلاكاً جماعياً للوقت والانتباه. والأخطر أن الترند يعيد تشكيل أولوياتنا دون أن نشعر؛ فقد يصبح ما يثير الضحك أهم مما يستحق التفكير، وما يثير الجدل أهم مما يستحق المعرفة، وما يحقق المشاهدة أهم مما يحقق المنفعة. وهنا أخشى على الأجيال الجديدة؛ أخشى أن يكبر الطفل وهو يعتقد أن النجاح يعني أن يصبح مشهوراً، لا أن يصبح نافعاً، وأن يكون معروفاً لا أن يكون مؤثراً، وأن يجمع المتابعين لا أن يجمع المعرفة. إننا لا نحتاج إلى محاربة الترندات، وإنما إلى ترشيد وعينا بها. حين يظهر ترند، لا تسأل فقط: «ماذا يقولون؟»، بل اسأل: «ماذا يعني؟». وحين يلمع شخص في الفضاء الرقمي، لا تسأل فقط: «كم لديه من متابعين؟»، بل اسأل: «ماذا قدم؟». وحين تنتشر قضية، لا تسأل فقط: «لماذا أصبحت ترنداً؟»، بل اسأل: «هل تستحق أن تبقى؟». فالمجتمع الناضج لا يترك الخوارزميات تحدد له وحدها ما الذي يستحق اهتمامه؛ لأن الخوارزمية لا تعمل في فراغ، وإنما تتغذى على اختياراتنا. كل مشاهدة تصويت، وكل مشاركة تصويت، وكل تعليق تصويت، وكل إعادة نشر تقول للمنصة: «أعطني المزيد من هذا». وحين نمنح محتوى تافهاً ملايين المشاهدات، فإننا، بقصد أو بغير قصد، نرسل رسالة إلى صانعي المحتوى بأن هذا هو ما نريده، وحين نتجاهل المحتوى المعرفي الجاد لأنه «ثقيل» أو «لا يضحك»، فإننا نرسل رسالة أخرى مفادها أن الانتشار لا يحتاج إلى عمق. وهكذا يبدأ السوق الرقمي في الاستجابة؛ يبحث المنتج عن الأسرع انتشاراً لا عن الأكثر فائدة، ويبحث صانع المحتوى عن الإثارة لا عن الفكرة، وتصبح الأولوية للثواني التي تخطف العين لا للمحتوى الذي يبني العقل. ومن هنا فإن مسؤولية الارتقاء بالمشهد لا تقع على المنصات وحدها، ولا على صانع المحتوى وحده، وإنما تقع علينا جميعاً؛ على الأسرة التي تربي، والمدرسة التي تعلم، والإعلام الذي يوجه، وصانع المحتوى الذي يملك المنبر، والجمهور الذي يملك قرار المشاهدة والمشاركة. إن المجتمع المصري تحديداً يملك قدرة استثنائية على جعل موضوع ما حديث الناس، فلنستخدم هذه القدرة بذكاء. إذا كان بإمكاننا أن نجعل جملة ساخرة تنتشر في ملايين الهواتف خلال ساعات، فلماذا لا نجعل فكرة عن القراءة تنتشر؟ وإذا كان بإمكاننا أن نصنع نجماً من شخص بسبب موقف عابر، فلماذا لا نصنع قدوة من معلم أو طبيب أو باحث أو عامل أتقن عمله؟ وإذا كان المجتمع يستطيع أن يجمع الملايين حول مقطع، فلماذا لا يجمعهم حول قضية تستحق؟ إن المشكلة ليست أننا نصنع ترندات؛ المشكلة أننا لا نعرف دائماً ماذا نريد من الترند بعد أن نصنعه. نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة لا تحارب الهَبّة وإنما توجهها، ولا تمنع الناس من الضحك وإنما تمنح الضحك مكانه الطبيعي، ولا ترفض المحتوى الخفيف وإنما تمنع الخفيف من أن يحتكر المشهد، ولا تطالب كل مشهور بأن يكون مفكراً، لكنها تسأل كل مشهور سؤالاً بسيطاً: ماذا ستترك وراءك؟ وأنت، أيها المتلقي، لك دور لا يقل أهمية عن دور صانع المحتوى. لا تقل: «أنا مجرد مشاهد». أنت لست مجرد مشاهد؛ أنت جزء من ماكينة الانتشار، وما تمنحه من وقتك وانتباهك يحدد إلى حد بعيد ما سيعود إليك غداً. تعلم أن تقول: هذا ممتع، لكنه لا يستحق أن يصبح قضية عامة، وتعلم أيضاً أن تقول: هذا هادئ، لكنه يستحق أن أسمعه. فبعض أعظم الأفكار لا تصرخ، وبعض أكثر الناس تأثيراً لا يصنعون ضجيجاً. وفي النهاية، سيأتي ترند جديد، وسينصرف الناس إليه، وستنسى الجماهير كثيراً مما شغلها اليوم، وهذه طبيعة العصر. لكن ما يجب ألا ننساه هو أن المجتمع الذي يصنع ما يراه، يستطيع أيضاً أن يصنع ما يحتاج إليه. وإذا كان المصريون قد أثبتوا أنهم قادرون على تحويل موقف صغير إلى حديث بلد بأكمله، فإن السؤال لم يعد عن قدرتنا؛ لقد أثبتنا قدرتنا، وإنما السؤال عن اختيارنا: ماذا نريد أن نجعل الناس يتحدثون عنه؟ وماذا نريد أن يتعلمه أبناؤنا منا؟ وماذا نريد أن يبقى في الذاكرة بعد أن تختفي الصورة وينتهي الفيديو وتغلق المنصة؟ إن الهَبّة عابرة، والترند عابر، والشهرة عابرة، أما المجتمع الذي يعرف كيف يحول انتباهه إلى معرفة، وغضبه إلى إصلاح، وفضوله إلى تعلم، وانتشاره إلى أثر، فهو المجتمع الذي لا تكتفي منصاته بصناعة الصخب والصوت العالي ، بل تشارك في صناعة المستقبل. فليكن لنا ترند، نعم، ولكن ليكن وراء كل ترند سؤال، ووراء كل سؤال وعي، ووراء كل وعي أثر؛ فما أسرع ما يصعد الترند، وما أسرع ما يسقط، لكن ما نبنيه في الإنسان هو وحده الذي يبقى
