بقلم دكتورة دعاء معاطي
أي وطن أعظم من هذا الوطن؟ وأي أم يمكن أن تكون في جمالك يا أمي، يا عروس أفريقيا؟
أتاكِ النهر الخالد جالبًا لكِ الحناء، فكسى رمالك الذهبية بالطمي، وكان يجدد شبابك عامًا بعد عام. أتاكِ يطلب وصالك من أعالي هضبة الحبشة، قاطعًا قارة بأكملها. لم يأخذه كبرياؤه -وهو أطول أنهار الدنيا- أن يأتيكِ باذلًا في رضاكِ كل غالٍ وثمين. يفتت الصخور، يتحدى الهضاب، يحمل الطمي آلاف الأميال؛ ليمنحكِ الحياة والحضارة. غار منكِ أهل الأرض وحقدوا عليكِ، فكنتِ لهم مقبرة الغزاة، إلا النهر الخالد ظل يتغزل بجمالك جيلًا بعد جيل.
يمنحكِ الحياة وتمنحينه بكبريائك الخلود، نافسه نهر الأمازون في سنتيمترات، لكنه لم يستطع أن ينافسه في منح أراضيه الخلود. قدسه الفراعنة وعلمونا أنه كنز نحافظ عليه جيلًا بعد جيل. ولما لا نقدسه وهو يأتيكِ جاريًا من أعالي الهضاب، تحدى من أجلكِ كل الصعاب، تحدى بإصراره فرسان كل الأساطير، وبذل من أجل بشرتكِ كل ما يجدد شبابها.
عانقته ثنية قنا في الوصول إلى قلبك الطاهر ومزارعك الخلابة، كان يمكنه أن يفتتها كما فتت هضبة الحبشة، ولكنه فضل أن يتفاداها؛ ليزداد الشوق في اللقاء. يستمر في حبه وعشقه لكِ، يمنحكِ كل معاني العطاء، من جنو بكِ لشمالكِ، ثم يلقي بنفسه في البحر الأبيض المتوسط ويسأله: “هنا انتهت مصر، هل تغادر؟” فيقول له: “هل قطعت كل ذلك لأغادر؟ سأجالسك هنا بجوارك في صمت، لن أقلع، قلبي لا يقوى على الرحيل وأترك أم البلاد، مصر”.
فيقول الأبيض: “قد يختلط ماؤك بمائي فتزول”. فيجيب النيل الخالد: “أخذتُ وعدًا من رب السماء بأن يحفظني بجوارها هنا في صورة الرحمن: “مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ”. لذا نتعلم من هذا النهر الخالد أن نبذل لأمنا الطاهرة مصر كل ما هو غالٍ وثمين، لا لتلحق بدرب الحضارة، بل لتسبق درب الحضارة كعادتها الخالدة.
المدن التي بناها النهر الخالد في مصر
منح النيل الخالد للمدن الخالدة من أقصر وأسوان وأسيوط وسوهاج، ثم نثر المدن الخالدة في الدلتا كدمياط والمنصورة. أي عطاء يمكن أن يجلب للحسان مثلما وهب نهر النيل بمصر؟
واجبنا تجاه النهر
لا يطلب منا النهر الخالد أي تقديس، كل ما يطلبه أن نحافظ على صفحته فضية ونظيفة؛ ليليق بأمنا مصر.

