قد يظن البعض أن الأعياد تخص أصحاب الديانة فقط، لكن الحقيقة أن بعض المناسبات تحمل من العمق الروحي ما يجعلها رسالة إنسانية مفتوحة للجميع.
ومن بين هذه المناسبات يظل عيد الميلاد المجيد، ذكرى ميلاد السيد المسيح عليه السلام، حدثًا روحانيًا يتجاوز حدود الاحتفال ليصل إلى معنى الخلاص، والمحبة، والسلام في الإيمان المسيحي.
في العقيدة المسيحية، لم يكن ميلاد المسيح حدثًا عاديًا، بل كان إعلانًا إلهيًا بأن الله لا يبتعد عن آلام البشر، بل يقترب منهم. وُلد المسيح في مزود متواضع، بلا مظاهر قوة أو سلطان، ليؤكد أن العظمة الحقيقية ليست في الملك، بل في الاتضاع، وليعلّم العالم أن الطريق إلى القلوب يبدأ بالرحمة لا بالهيمنة.
«الشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا، الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظِلِّ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ»
(إشعياء 9: 2)
عيد الميلاد في جوهره هو ميلاد النور داخل الإنسان. نور يُبدّد ظلمة الخوف، ويعيد للقلوب المكسورة قدرتها على الرجاء. لذلك ترى الكنائس في هذا العيد مملوءة بالترانيم التي لا تمجّد حدثًا تاريخيًا فقط، بل تعلن فرحًا داخليًا عميقًا، فرحًا بأن المحبة نزلت إلى الأرض.
وفي الإنجيل، يرتبط الميلاد ارتباطًا وثيقًا برسالة السلام، كما جاء في بشارة الملائكة:
«الْمَجْدُ لِلَّهِ فِي الْأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلَامُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ»
(لوقا 2: 14)
السلام هنا ليس مجرد غياب للحرب، بل سلام القلب، سلام مع النفس، ومع الآخر، ومع الله. ولذلك يصبح عيد الميلاد دعوة مفتوحة للتسامح، ولمداواة الجراح القديمة، ولبداية صفحة جديدة خالية من الأحقاد.
من المنظور المسيحي، جاء المسيح ليكون قريبًا من الفقراء والمتألمين والمنبوذين، ليؤكد أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمكانته أو قوته، بل بإنسانيته. ومن هنا يتحول عيد الميلاد إلى موسم للعطاء، ومشاركة المحتاج، وزيارة المريض، ولمّ الشمل العائلي، لأن المحبة لا تكتمل إلا حين تُمارَس.
«لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ»
(يوحنا 3: 16)
ورغم اختلافي الديني، إلا أنني كمسلمة أرى في عيد الميلاد قيمًا نتشاركها جميعًا: الرحمة، والعدل، والإحسان، ونقاء القلب. وهي معانٍ لو تحولت من كلمات إلى أفعال، لكان عالمنا أقل قسوة وأكثر نورًا.
عيد الميلاد ليس ذكرى ميلاد طفل فقط، بل ميلاد أمل جديد في كل قلب يؤمن أن الخير ما زال ممكنًا، وأن السلام يستحق أن نحيا من أجله.
كل عام وإخوتنا المسيحيين بخير،
وكل عام والمحبة أقوى من الكراهية،
والنور أقوى من الظلام

