هناك لحظات في الحياة تبدو كأنها نقطة بين عالمين لحظة لا أنت فيها من الماضي ولا أنت تنتمي تماما إلى الحاضر فتقف على حافة مكان لا اسم له كأنك جسر معلق بين جرحين أو مثل قلب يبحث عن نبضة تشبهه ولا يجد وهذه اللحظات ليست نادرة كما نظن بل تتكاثر حين يثقل الوجع أكتافنا وحين تزدحم الطرق أمامنا دون أن يفضي أي منها إلى نجاة
قد يخيل إلينا أن الطرق تفتح لتدلنا على الاتجاه الصحيح لكن الحقيقة أن بعضها يفتح ليمر بنا فقط ليمر وينهي فينا جزءا لا يعود وبعض الطرق تخلق كي نتوه فيها نخطو بين دهاليزها بقلوب ترتعش نبحث عن باب صغير نافذة فتحة ضوء أي شيء يثبت أن العالم لا يزال يتسع لنا لكن الخيبة غالبا ما تسبق البشر فتصل إلينا قبل أن نفهم الطريق وتجلس أمامنا وكأنها معلمة لا ترحم تخبرنا أن لا شيء يهدي القلب وأن على الروح أن تتعلم كيف تحيا وهي محزوزة الأطراف
ذات ليلة حين هدأ الكون كله شعرت وكأن صمتا كثيفا لامس روحي لم يكن صمتا يمكن احتماله بل صمتا يحمل أصواتا دفنت منذ سنين كلمات لم تقل وجروح لم تمسح وخيبات لم تجد لها صدرا تبكي فيه كان الليل حينها طويلا يمد ظلاله على كل شيء حتى على قلبي الذي بات أثقل من أن يتسع لنبض واحد إضافي
كنت أقف أمام نفسي كأنني أمام غريب يشبهني لكنه لا يعرفني سألت تلك النسخة المرهقة مني
هل نحن على قيد الحياة أم أننا نتحرك بقوة العادة فقط
هل نستطيع أن نحب مرة أخرى
هل يمكن لقلب امتلأ بالشروخ أن يعود مثلما كان
وكان الرد صامتا لكنه مؤلم كإبرة تخترق عمق الروح
تعلمت حينها أن الوجع أنواع وأن بعض الأوجاع لا تشفى لأنها لم تأت من الناس فقط بل جاءت من أنفسنا من ثقتنا الزائدة من أحلامنا التي تجاوزت حدود الواقع من حسن نيتنا الذي صار فريسة
لكل من مر زمنا بجوارنا
وهناك وجع آخر
ذلك الوجع الذي لا يستطيع أحد أن يراه
الوجع الذي نحمله وحدنا كأننا نخشى أن يلمسه الهواء فينكسر أكثر
ذلك الوجع هو الذي يجعل الإنسان يختبئ خلف ابتسامة لا تشبهه ويضحك بصوت لا يشبه صوته ويتظاهر بالقوة بينما داخله يذوب كشمعة تطفئها الرياح من الداخل
ومع الأيام
بدأت أرى العالم من ثقب صغير في جدار قلبي
ثقب فتحه الوجع لكنه جعلني أرى الحقيقة بوضوح لم أعرفه من قبل
أدركت أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا ليبقوا بل يدخلون ليكسرونا ليعلمونا درسا لن ننساه ليخبرونا أن الحب ليس دائما شفاء وأن العطاء ليس دائما نجاة وأن الوفاء قد يتحول إلى لعنة حين يكون في غير موضعه
ومع ذلك هناك شيء غريب في الإنسان
شيء يشبه القدرة على الانبعاث حتى بعد الخراب
شيء يجعلنا ننهض من وسط الحطام نلم شظايانا ونرتب جروحنا كما ترتب الأم شعر طفل يبكي
ربما لأن الروح لا تقبل الهزيمة وربما لأن في القلب مساحة صغيرة مهما ضاقت لا تزال ترجو الضوء
وهكذا
واصلت السير على تلك الطرق التي خذلتني
لم أعد إليها كي أبحث عن شيء فقدته بل عدت لأنني أدركت أن الطريق لا يملك حق إنهائي
عدت لأنني فهمت أن الحياة ليست دائما عادلة لكنها ليست دائما قاسية أيضا
وأننا في النهاية لا نملك سوى الاستمرار
ولو زحفا
ولو بقلوب نصف حية
ولو بأرواح لا تزال تتعلم كيف تتنفس رغم طعنات الأمس
وعلى حافة الضوء
حيث تقف الروح مترنحة بين السقوط والقيام بين النهاية والبداية بين الخيبة والأمل
هناك فقط يفهم الإنسان أن قوته ليست في أنه لم يسقط بل في أنه سقط ألف مرة ولم يخبر أحدا
ونهض ألف مرة دون أن ينتظر تصفيقا من أحد
ومشى رغم أن الطرق كلها قالت له
ارجع لا مكان لك هنا
لكنه مشى
لأنه لم يعد يبحث عن المكان
بل يبحث عن نفسه

