أولًا: بعد ثورة 1952… بدأ “تشكيل الوعي الجمعي” من جديد
الثورة تريد أن تصنع إنسانًا جديدًا؛ إنسان يؤمن بالنظام، ويحب الزعيم، ويصدق الإعلام.
لكن علشان تعمل ده، محتاجة أدوات “جذابة”، مش خطب جامدة.
فكان الحل: الفن والكرة.
الممثل يغني للزعيم، واللاعب يرفع اسم الوطن، والراقصة تفرّح الشعب وتنسيه القهر.
وهكذا صار الترفيه سياسة.
—
ثانيًا: لأن الممثل واللاعب “بطل لا يعارض”
السياسي ممكن يقول “لا”، أو يطالب بحرية،
لكن الفنان في تلك الحقبة كان “واجهة النظام”.
الإعلام يصنع منه نجمًا، بشرط أن يكون مطيعًا.
فأُعطي الممثل مساحة نجومية تفوق العالم والعالم الديني والمفكر.
السلطة احتاجت رموزًا شعبية جديدة بديلة عن “الزعماء الحقيقيين” أو “العلماء المستقلين”.
—
ثالثًا: لعبة التعويض النفسي للشعب
حينما عجزت الدولة عن توفير العدالة أو الرخاء،
قدمت للشعب بديلًا: الانتصار الرمزي.
يعني بدل ما ينتصر المواطن في حياته،
ينتصر من خلال لاعب أو ممثل أو راقصة يحبها.
فيبكي لدمعة الممثلة، ويفرح لهدف اللاعب،
وكأنه هو المنتصر أو البطل.
الإعلام غذّى هذا الشعور حتى صار الإدمان جماعيًا.
—
رابعًا: صناعة “الأوهام الجميلة” بدل الواقع المؤلم
السينما والمسرح والمسلسلات كانت أدوات لتجميل الواقع وتبرير الفقر.
تُظهر الفقير سعيدًا، وتُضحك الناس على مأساتهم،
في حين يعيش النجم في القصور ويُقدَّم كقدوة.
فصار الناس يخلطون بين الفن والواقع،
ويظنون أن “الشهرة” نوع من الخلود والعظمة.
—
خامسًا: تغييب القدوة الحقيقية
من بعد 1952، تم تهميش العلماء والمفكرين لصالح الفنانين ولاعبي الكرة.
النتيجة: الطفل المصري لا يحلم أن يكون طه حسين أو زويل،
بل يريد أن يكون محمد صلاح أو عادل إمام.
الإعلام هو من رسم “سُلّم المجد”،
وجعل قمته للذين يُسلّون، لا للذين يُفكرون.
—
سادسًا: لأن “الشهرة” أسهل من “القيمة”
السلطة والإعلام كلاهما أدرك أن الشعب المنهك
أسهل أن يُدار بالعاطفة لا بالعقل.
فقدموا له الأبطال الذين لا يناقشون السياسة،
بل يغنون ويرقصون ويسجلون الأهداف.
وهكذا تحوّل الفن من رسالة إلى أداة تهدئة جماعية.
—
خلاصة القول:
منذ 1952 وحتى اليوم، التمجيد للفنان واللاعب ليس صدفة،
بل جزء من مشروع طويل اسمه:
“إبقاء الشعب في حالة انبهار دائم.. بعيدًا عن التفكير الدائم.”

