يعلو صوتُ العقلاء ليضعَ النقاطَ على الحروف، ويعيدَ البوصلةَ إلى اتجاهها الصحيح. ومن هذا المنطلق، جاء مقالُ الكاتب الكويتي الكبير أحمد الجارالله، عميد الصحافة الكويتية، بعنوانٍ حاسمٍ لا يحتمل التأويل: «اصمتوا.. مصرُ منّا ونحنُ منها»، ليشكّلَ بيانًا فكريًا رصينًا في مواجهة حملات التشويه الممنهجة التي تستهدف الدولة المصرية، وتسعى إلى النيل من عمقها العربي ومكانتها التاريخية.
لقد قدّم الكاتب قراءةً واعيةً تتجاوز الانفعال إلى التحليل، مؤكدًا أن العلاقة بين مصر ومحيطها العربي ليست وليدةَ ظرفٍ سياسيٍ عابر، ولا رهينةَ تحالفاتٍ آنية، بل هي امتدادٌ تاريخيٌ ضاربٌ في جذور الحضارة والوجدان، تشكّل عبر قرونٍ طويلةٍ من التفاعل الإنساني والثقافي والديني. واستدعاؤه لمكانة مارية القبطية في بيت النبوة لم يكن استدعاءً عاطفيًا، بل دلالةً رمزيةً على عمق هذا الارتباط الذي يتجاوز السياسة إلى وحدة المصير.
وفي سياقٍ لا يخلو من الجرأة، كشف الجارالله عن محاولاتٍ متعمدةٍ لتزييف الوعي العربي، تقودها قوى إقليمية تسعى إلى بثّ الفرقة وزعزعة الثقة بين الأشقاء، عبر خطابٍ مضللٍ يلبس ثوب الدفاع عن القضايا الكبرى، بينما يمارس في الواقع أدوارًا تخريبيةً تمسّ صميم الأمن العربي. ولم يتردد في تسمية الأشياء بمسمياتها، حين أشار إلى أن ما يُرفع من شعاراتٍ براقةٍ لم يُترجم على الأرض إلا مزيدًا من الفوضى والدمار في عواصم عربيةٍ عريقة.
كما تناول المقالُ بعمقٍ مسألةَ الوجود العسكري الأجنبي في منطقة الخليج، واضعًا إياها في إطارها الواقعي بعيدًا عن الشعارات، باعتبارها استجابةً لتهديداتٍ قائمة، وليس خيارًا ترفيًّا كما يصوّره البعض. وهنا يبرز المنطق الاستراتيجي الذي يحكم قرارات الدول حين تتعرض سيادتها ومقدراتها لأخطارٍ متنامية.
ولعلّ أكثر ما ميّز الطرح هو ذلك التمييز الدقيق بين أصواتٍ نشازٍ تحاول الإساءة إلى مصر، وبين الموقف الخليجي الرسمي والشعبي الذي ظلّ، عبر مختلف المراحل، وفيًّا لعلاقته التاريخية مع القاهرة. فهذه الأصوات، كما أكد الكاتب، لا تعبّر إلا عن نفسها، ولا يمكن أن تنال من رصيدٍ متراكمٍ من الثقة والتكامل.
وفي إشادةٍ تحمل دلالاتٍ سياسيةً واضحة، نوّه الجارالله بحكمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبالدور المحوري الذي يقوم به الجيش المصري في حفظ توازن المنطقة، معتبرًا أن استقرار مصر ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل هو ركيزةٌ أساسيةٌ من ركائز الأمن القومي العربي برمّته.
ويمضي المقال إلى ما هو أبعد من الدفاع، ليؤكد على حقيقةٍ استراتيجيةٍ لا تقبل الجدل: أن أمن الخليج من أمن مصر، وأن أي محاولةٍ للنيل من مكانة القاهرة إنما تستهدف، في جوهرها، إضعاف المنظومة العربية بأكملها. وهي رؤيةٌ تعكس وعيًا عميقًا بطبيعة الترابط بين مكونات الإقليم، حيث لا يمكن فصل الجغرافيا عن المصير.
وفي خاتمةٍ تحمل من الحسم بقدر ما تحمل من الحكمة، يعيد الكاتب توجيه رسالته إلى كل من يحاول العبث بهذه العلاقة التاريخية، مؤكدًا أن الضجيج العابر لن يغيّر من الحقائق الراسخة، وأن الروابط التي صمدت أمام تقلبات الزمن لن تنال منها حملاتٌ عابرة. فمصر، كما كانت دومًا، قلبُ العروبة النابض، وعمقُها الذي لا يُستغنى عنه، وسيبقى هذا الارتباط حقيقةً ثابتةً، مهما تعالت أصواتُ الصغار.
إنها ليست مجرد كلمات، بل موقفٌ يعكس وعي أمةٍ تدرك أن وحدتها هي صمام أمانها، وأن التفريط في أحد أطرافها هو تفريطٌ في الجميع… ومن هنا، يصبح الصمتُ—كما قال الجارالله—أبلغَ من أي رد.

