في زوايا المساء الباهت يجلس القلب متكئا على جدار الصمت كأن الدنيا ضاقت عليه بوسعها وكأن أنفاسه تنازع بين البقاء والاختناق لا صوت يطمئنه ولا وجه يشبه الطمأنينة ولا يد تمتد لتقول له اهدأ فكل شيء سيمر لقد صار كل شيء ثقيلا يا صديقي حتى الضوء حتى الكلام حتى الوجوه التي كانت يوما تضحكه صارت تثقله كأنها قيود معلقة في عروقه
هناك لحظات تمر على الإنسان لا يريد فيها شيئا من الدنيا لا حديثا لا عتابا لا تبريرا ولا مواساة فقط يريد أن يجلس في ركن بعيد بينه وبين نفسه يراجع وجعه كمن يراجع أوراق حياة لم يعد يجد فيها سطرا واحدا صالحا للابتسام يحاول أن يتنفس لكن الهواء نفسه يبدو ملوثا بالخذلان الناس من حوله يتحركون يتحدثون يضحكون لكنه كأنه غريب في وطن لم يعد يخصه
هل جربت أن تخنقك تفاصيل يوم عادي أن تصحو من نومك بلا رغبة في شيء لا لأنك ضعيف بل لأنك استهلكت من روحك أكثر مما يجب أنت الذي كنت تبتسم لتخفي وجعك وتجامل لتكتم غضبك وتساند من لا يعرفون أنك بحاجة إلى من يسندك أنت تعب لا يرى وضجيج في داخلك لا يسمعه أحد
كل الوجوه صارت متشابهة كل الكلمات صارت باهتة حتى الأمل الذي كنت تتعلق به صار يشبه خيطا مهترئا من ضوء قديم تبتعد عن الناس لا كرها بل هربا من ثقل وجودهم تحاول أن تعيد ترتيبك أن تعيد شيئا من نفسك التي تاهت وسط زحام الوجوه والخذلان لكنك في كل محاولة تكتشف أن ما انكسر فيك لم يكن سهلا وأن ترميم الروح ليس كترميم الجدران
يا صديقي المخنوق أعرف أن الحزن أحيانا يصبح صديقا صامتا وأنك حين تقول أنا مش طايق حد فأنت في الحقيقة تقول أنا محتاج أرجع أتنفس من جديد تحتاج لحظة صدق مع نفسك لحظة بكاء بلا خجل لحظة تصالح مع الوجع لأن الهروب منه لا ينقذك بل يعيدك إليه في كل مرة أكثر وجعا
اسمح لنفسك أن تحزن أن تصمت أن تبتعد فالقلب لا يشفى بالقوة بل بالهدوء وما أجمل أن تنجو بصمت نبيل من فوضى الناس أن تختار العزلة حين يرهقك الضجيج أن تقول للعالم اتركوني قليلا أريد أن أتنفس وحدي
ستمر صدقني كما مرت أوجاع كثيرة قبلك سيتنفس صدرك ولو بعد حين وسيتبدل هذا الضيق بطمأنينة تأتي على مهل لكنها تأتي فقط لا تكابر ولا تحمل نفسك أكثر مما تحتمل أحيانا يكفي أن تقول أنا موجوع بس هعدي
وحين تهدأ العاصفة ستكتشف أن روحك رغم كل شيء ما زالت جميلة وأن هذا الاختناق كان مجرد امتحان لصبرك وأن الله حين يضيق صدرك يمهد لك طريق النور من حيث لا تحتسب حينها فقط ستبتسم من جديد لا لأن الحزن انتهى بل لأنك أنت الذي انتصرت عليه

