المسرح الأكاديمي بين الموهبة والعلم
حوار خاص مع د. أسماء عبدالمنعم أبوالفتوح أستاذ الإعلام المساعد بكلية التربية النوعية – جامعة المنصورة
د. تامر عبد للقادر عمار
في هذا الحوار المميز، نفتح نافذة على عالم المسرح التربوي الجامعي، من خلال تجربة أكاديمية رائدة، تؤمن أن خشبة المسرح ليست مجرد منصة للأداء، بل مساحة لتشكيل الوعي، وغرس القيم، وصناعة التغيير.
ضيفة هذا الحوار هي الدكتورة أسماء عبدالمنعم أبوالفتوح، أستاذ الإعلام المساعد بقسم الإعلام التربوي – كلية التربية النوعية – جامعة المنصورة، التي حدّثتنا بصدق وعمق عن رؤيتها للمسرح، والواقع الأكاديمي، وطموحاتها لمستقبلٍ مسرحي مشرق داخل الحرم الجامعي وخارجه
في الحقيقة، العلاقة بين الدراسة الأكاديمية للمسرح والموهبة الفطرية هي علاقة تكامل وليست تضاد. فالموهبة هي البذرة، والدراسة الأكاديمية هي التربة التي تُنبت وتُقوّي وتُوجّه هذه البذرة. كثير من الطلاب يدخلون عالم المسرح بموهبة فطرية جميلة، لكن دون التأطير العلمي قد تتجه تلك الموهبة إلى التكرار أو الاجتهاد غير المثمر.
الدراسة الأكاديمية تُعلّم الطالب أدوات التعبير المسرحي، وتُكسبه الحس التحليلي، وتفتح له آفاقًا معرفية لفهم النص، وتحليل الشخصية، والتفاعل مع الجمهور، بل وتُمكّنه من توظيف أدواته الفنية في إطار تربوي وإنساني راقٍ.
أما الموهبة، فهي الطاقة التي تُحرك كل هذا، هي الروح. ولذلك، أؤمن أن المسرح الحقيقي لا يكتمل إلا إذا اجتمعت فيه الموهبة المصقولة بالعلم، تمامًا كالموسيقي الموهوب الذي لا يكتفي بعزف النغمة بإحساس، بل يعرف أيضًا قوانين التناغم والإيقاع.
الدراسة العلمية تُوفّر للطالب أدوات الفهم، والتحليل، وتقنيات الأداء، ومبادئ الإخراج، وبنية النص، وغيرها من المهارات الجوهرية، لكنها لا تخلق “الشرارة الأولى” التي نحسّها في الموهبة… هذه الشرارة لا تُعلَّم، بل تُكتشف وتُصقل.
لكن دعني أقول بكل وضوح: الموهبة وحدها لا تكفي، وإن لم تُدعّم بمنهج علمي واضح، ستظل في كثير من الأحيان حبيسة الأداء العفوي أو الارتجال المحدود. بينما المنهج العلمي قادر على أن يأخذ تلك الموهبة، ويحولها إلى مشروع فني حقيقي له رؤية ورسالة وتأثير.
وفي المقابل، هناك من لم يولد بموهبة صاخبة، لكن التكوين الأكاديمي جعله مبدعًا بالاجتهاد، وصبر التجربة، والتدريب المستمر. لذلك، أؤمن أن العلم لا يُقصي الموهبة، بل يُكملها ويُعلي من قيمتها.
المسرح الأكاديمي، بطبيعته، يُركّز على الجانب الفني والتربوي والمعرفي. هو مساحة للتجريب، والتأمل، وتحليل النصوص، واستكشاف المدارس المسرحية، وتطوير الأداء، حتى وإن لم يكن ذلك دائمًا على حساب الانتشار أو التفاعل الجماهيري الواسع. هدفه تكوين فنان واعٍ، يفهم السياق، ويُدرك الرمزية، ويُمارس المسرح كرسالة معرفية وقيمية.
أما المسرح الجماهيري أو التجاري، فهو معنيّ أولًا بجذب الجمهور، وتحقيق عائد مادي، وغالبًا ما يركّز على الترفيه والسهولة والسرعة في الطرح. وهو لا يُعدّ سلبيًا بطبيعته، بل هو ضرورة في أي حركة مسرحية حقيقية، لكنه في كثير من الأحيان يُراهن على النجم أو الظاهرة، لا على المضمون أو العمق.
ما يُميز المسرح الأكاديمي حقًا هو أنه لا يهدف إلى اللحظة العابرة، بل إلى التأسيس. إلى أن يخلق وعيًا جديدًا بالمسرح، ويُنتج فنانًا مُفكّرًا، ومخرجًا باحثًا، وممثلًا مدركًا لمسؤوليته، لا مجرد مؤدي يلهث خلف التصفيق.
وفي النهاية، نحن بحاجة إلى التوازن بين النوعين، لكن بشرط ألا نفقد بوصلتنا: أن يبقى المسرح صوتًا للوعي، لا مجرد وسيلة للضحك السريع.
نُتيح للطلاب فرصًا فعلية للصعود على خشبة المسرح، ونمنحهم مساحة للتعبير والإبداع، كما نُشرف على مشاريع تخرج مسرحية تُعالج قضايا مجتمعية وتربوية هادفة. بالإضافة إلى ذلك، نُشجع المشاركة في المهرجانات الجامعية والمسرحية على مستوى الجمهورية، ونوفر للطلبة التدريب تحت إشراف نخبة من الأساتذة المتخصصين.
ولا يتوقف دورنا عند الجانب الفني فقط، بل نُعزّز لدى الطالب الموهوب الوعي بأهمية رسالته، وبضرورة أن يكون عمله المسرحي انعكاسًا لقيم المجتمع واحتياجاته. نحاول بكل ما نملك أن نُنتج فنانًا مثقفًا، مسؤولًا، يُدرك أثر الكلمة والحركة على المتلقي.
باختصار، نحن نُرافق الطالب الموهوب من اكتشاف قدراته، إلى صقلها، فتمكينه منها، ثم إطلاقه إلى الفضاء الإبداعي بثقة ووعي.
نحن نعتمد على عدة أدوات لاكتشاف الموهبة، أولها الملاحظة المباشرة في المحاضرات والأنشطة العملية. كثيرًا ما تكشف لنا تمارين الأداء المرتجلة أو التفاعلات الصفّية عن طاقات دفينة لدى بعض الطلاب.
ثانيًا، الورش التدريبية التي نعقدها بشكل دوري، تتيح مساحة غير رسمية لاختبار القدرات، بعيدًا عن ضغط الدرجات والتقييمات التقليدية.
ثالثًا، المشروعات المسرحية الجماعية، وهي بيئة خصبة لرصد الموهبة، حيث يُظهر الطالب بشكل طبيعي ما يتميّز به في التمثيل، أو الإخراج، أو حتى في الكواليس كالإضاءة أو الملابس.
رابعًا، آلية التقييم المتكامل التي لا تكتفي بتقييم الأداء الفني، بل تُحلل شخصية الطالب، وميوله، واستعداده للتطور.
وأؤكد أن الاكتشاف ليس كافيًا بمفرده، بل يجب أن يُتبعه احتضان، ورعاية، ومتابعة. فالموهبة بدون اهتمام أكاديمي حقيقي قد تذبل، أما إذا وجدت من يؤمن بها ويغذّيها، فإنها تُزهر وتُثمر إبداعًا.
نعم، هناك تفاوت في المستوى من عام إلى آخر، ومن دفعة إلى أخرى، لكن في المجمل أستطيع القول إن هناك تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، سواء في اختيار الموضوعات، أو الجرأة في الطرح، أو استخدام تقنيات معاصرة في الإضاءة والصوت والتشكيل الحركي.
الطلاب اليوم باتوا أكثر وعيًا بقضايا مجتمعهم، وأكثر رغبة في التعبير عنها بلغة مسرحية حقيقية. لم نعد نرى فقط النصوص التقليدية، بل هناك إقبال على المعالجة الإبداعية، ودمج الموسيقى، وحضور قوي للرمزية والخيال.
كذلك، ألاحظ أن كثيرًا من الطلاب أصبحوا يهتمون بفهم أدوارهم من الداخل، لا أدائها فقط، وهو مؤشر ناضج على وعي مسرحي متقدم.
بالطبع، لا تزال هناك تحديات، مثل قلة الإمكانيات أحيانًا، أو ضعف التدريب السابق في مراحل ما قبل الجامعة، لكن الإرادة والتطور واضحان… ونحن في القسم نواكب هذا التطور بالدعم، والنقد البنّاء، وفتح آفاق جديدة للطالب كي يُحلّق بإبداعه دون قيود.
باختصار، طلابنا اليوم يُقدّمون أعمالًا تستحق الاحترام، وكثير منها يفوق التوقعات، ويُبشّر بمستقبل مسرحي مشرق داخل مؤسساتنا الأكاديمية.
هو ليس مجرد وسيلة ترفيهية تُكسر بها جمود الحصة أو المقرر الدراسي، بل هو تجربة حياتية كاملة يعيشها المتعلم، يتفاعل معها بجسده وعقله ووجدانه.
في المسرح، يتعلم الطالب بالمشاركة، لا بالتلقين… بالتجريب، لا بالحفظ. وهو ما يجعل المعلومات أكثر رسوخًا، والقيم أكثر حضورًا، والسلوكيات الإيجابية أكثر ممارسة.
أضف إلى ذلك أن المسرح يُنمّي مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والتواصل الفعّال، وكلها مهارات جوهرية في العملية التربوية الحديثة.
وعندما نوظف المسرح في التعليم، فنحن لا نُعلّم مادةً فقط، بل نُعلّم الإنسان كيف يكون إنسانًا: يحترم الآخر، يُعبّر عن ذاته، يُحلّل الواقع، ويحلم بغدٍ أفضل.
لهذا أقول دائمًا إن المسرح ليس أداة مساندة للعملية التعليمية… بل يمكن أن يكون في قلبها، إذا ما غيّرنا نظرتنا التقليدية له، وتبنّينا رؤية شاملة ترى في الفن شريكًا حقيقيًا في التربية
قدّم طلابنا عروضًا مسرحية عالجت موضوعات شديدة الحساسية والعمق مثل: العنف الأسري، التنمر، الاغتراب النفسي، ضعف الهوية، قضايا المرأة، التطرف الفكري، وقيم المواطنة والانتماء.
هذه الأعمال لم تكن مجرد “عروض” على خشبة مسرح، بل كانت صرخات توعوية، ومناقشات حيّة، تفاعل معها الجمهور وتركَت أثرًا بالغًا في نفوس الطلاب والمشاهدين معًا.
كما شاركنا في مهرجانات جامعية وإقليمية، واستُقبلت أعمال طلابنا بحفاوة كبيرة، لأنها تمس الواقع، وتحاكي الوجدان، وتُقدَّم برؤية تربوية عميقة، بعيدًا عن المباشرة أو الوعظ الجاف.
خارج الجامعة، كان لنا تعاونات مع مؤسسات المجتمع المدني، حيث قدّم بعض طلابنا عروضًا ميدانية في المدارس ومراكز الشباب، ناقشوا فيها قضايا مثل الإدمان، والزواج المبكر، والعنف ضد الأطفال، بأسلوب مسرحي تفاعلي أقرب إلى “المسرح التشاركي”.
كل هذه التجارب تؤكد أن المسرح عندما يُطوَّع بروح تربوية، وبفهم حقيقي لاحتياجات المجتمع، يصبح أداة تغيير حقيقية… لا تنقل الواقع فقط، بل تُعيد تشكيله أيضًا.
لكن للأسف، حين نُقيم وضع المسرح المدرسي حاليًا، نجد أنه لا يحظى بالدعم الكافي من المؤسسات التربوية بالشكل الذي يليق بدوره وخطورته. هناك جهود فردية رائعة يقوم بها بعض المعلمين الشغوفين، وبعض المدارس المهتمة، لكنها تظل مبادرات متناثرة وغير ممنهجة.
المشكلة تكمن في النظرة التقليدية التي ما زالت تعتبر المسرح المدرسي نشاطًا جانبيًا أو “تكمليًا”، وليس جزءًا أصيلًا من المنهج التربوي. كما أن ضعف البنية التحتية، وقلة التخصص، وعدم تدريب المعلمين على أساليب المسرح التربوي، كلها عوامل تُعيق انطلاقته.
ورغم كل ذلك، أنا متفائلة، لأننا بدأنا نلمس تغيرًا نسبيًا في الوعي بأهمية الفن داخل العملية التعليمية. وأتمنى أن تتبنّى وزارات التربية والتعليم مشروعًا وطنيًا حقيقيًا لإحياء المسرح المدرسي، ليس فقط كمسابقة موسمية، بل كمنهج دائم، يُصاحب الطالب في رحلته التعليمية، ويُشكّل وجدانه.
فبقدر ما نهتم بالرياضيات والعلوم، يجب أن نهتم بالمسرح… لأنه يُربي العقل، لكن يُنبت معه الروح أيضًا.
أولًا: ضعف الإمكانيات المادية والتقنية، فالكثير من الكليات لا تمتلك مسارح مجهزة، أو أدوات تقنية حديثة كالإضاءة الاحترافية، والصوتيات، والديكور… مما يُحدّ من القدرة على التدريب العملي المتكامل.
ثانيًا: قلة الوقت المخصص للمادة المسرحية ضمن الجدول الدراسي، وهو وقت لا يكفي أحيانًا لا للتطبيق ولا للغوص في أعماق النصوص والأداء. والمسرح بطبيعته يحتاج إلى وقت، لأنه فن تراكم وتجريب.
ثالثًا: غياب الوعي المجتمعي الكافي بأهمية المسرح، سواء لدى بعض الإدارات الجامعية أو حتى لدى بعض الطلاب أنفسهم، ممن يظنون أن المسرح مجرد ترفيه لا صلة له بالعلم أو المهنة.
رابعًا: ضغط المقررات النظرية مقابل الحاجة إلى تفعيل الجانب العملي والإبداعي، مما يُلزمنا أحيانًا بتقديم جرعة معرفية كبيرة على حساب المتعة الفنية.
وأخيرًا: نقص الكوادر المتخصصة في بعض الجوانب الدقيقة من المسرح، مثل التصميم الحركي، أو الدراماتورجيا، أو الإخراج التفاعلي، مما يُضطرنا إلى القيام بأدوار متعددة تفوق الطابع الأكاديمي البحت.
ورغم كل هذه التحديات، فإن إصرارنا لا يقل، بل يتضاعف. لأننا نُؤمن بأن المسرح رسالة.
الحقيقة أن الطالب اليوم أكثر وعيًا من حيث الإدراك النظري لأهمية الفن ودوره، لكن في المقابل، وتيرة الحياة الرقمية السريعة، وتطبيقات التواصل، والمنصات الترفيهية، سحبت بالفعل جزءًا من الشغف الطبيعي الذي كان يدفع الأجيال السابقة إلى المسرح.
الطالب اليوم يُحب الصورة السريعة، والمعلومة المكثفة، والتفاعل اللحظي، وهذا أحيانًا يتعارض مع طبيعة المسرح التي تقوم على التمهل، والتعمق، والتلقي الصبور.
لكنني لا أرى في ذلك تهديدًا بقدر ما أراه دعوة للتطوير. نحن كأكاديميين ومسرحيين بحاجة لأن نفهم لغة هذا الجيل، ونُقدّم المسرح له بطريقة تُلامس وجدانه، وتستوعب اهتماماته دون أن تُفرّغ المحتوى من مضمونه.
وما يُبهجني أن كثيرًا من طلاب هذا الجيل، حين يخوضون تجربة المسرح فعليًا، يُصابون بدهشة إيجابية… كأنهم يكتشفون أنفسهم لأول مرة في فضاء مختلف عن الشاشة. يتفاعلون بصدق، ويُبدعون، ويطلبون المزيد.
إذا استطعنا أن نُعيد تقديم المسرح لهم لا كمجرد نشاط، بل كتجربة حية تُشبع حواسهم وفكرهم معًا، فإننا سنجد أن الطالب لم يفقد علاقته بالمسرح، بل فقط كان ينتظر من يُخاطبه بلغته.
أولًا: إنشاء هيئة أو كيان وطني مستقل للمسرح الجامعي، يُشرف على وضع رؤية موحدة، وخطة استراتيجية متكاملة لتطوير المسرح داخل الجامعات المصرية، ويكون حلقة وصل بين الجامعات ووزارات التعليم والثقافة والشباب. هذا الكيان يجب أن يضم خبراء أكاديميين وفنيين ومسرحيين، ويُعنى بالدعم المؤسسي، والتدريب، والتقييم.
ثانيًا: ربط النشاط المسرحي بالمقررات الدراسية التخصصية، بحيث لا يكون المسرح مجرد نشاط لا منهجي، بل جزءًا من التكوين الأكاديمي نفسه، له وزن علمي، وتقييم منضبط، ومعايير واضحة. وهذا يُحفّز الطلاب على الانخراط الجاد، ويُخرِج من رحم الجامعة ممارسين واعين ومبدعين حقيقيين.
ثالثًا: توفير بنية تحتية مسرحية حقيقية في كل جامعة، تشمل مسرحًا مجهزًا، وورش تدريبية، وأدوات فنية، إلى جانب ميزانية مستقلة للعمل المسرحي، وبرامج دعم للمشروعات الطلابية. لأن الإبداع لا ينمو في الفراغ، بل يحتاج إلى مناخ حاضن ومحفّز.
وبعد ذلك، يمكن أن نفتح أبواب التبادل الثقافي بين الجامعات، وإقامة مهرجانات حقيقية تُبرز هوية كل جامعة، وتُشكّل خارطة جديدة للمسرح الجامعي المصري… خارطة تُنتج جيلًا لا يُمثّل فقط على الخشبة، بل يُمثّل الوطن بفكره ووعيه وإبداعه
أتذكر أن أول مرة وقفت فيها على خشبة المسرح كنت في المرحلة الإعدادية، ووقتها شعرت بشيء مختلف… شيء لا يُوصف، كأن العالم كله يصمت، وتبدأ الذات في التجلّي.
مع مرور الوقت، أدركت أن المسرح ليس مجرد هواية، بل هو لغة حياة تُعبر عنّي، وتسمح لي أن أفهم الآخرين، وأن أُعبر عن قضاياهم، وأن أُغيّر الواقع بالكلمة والحركة والصوت. من هنا بدأ التعلّق، ثم جاء القرار الواعي: أن أدرس المسرح لا كمُتلقية، بل كباحثة، ومُعلّمة، وصانعة أثر.
اخترت التخصص الأكاديمي لأنني كنت أؤمن أن الفن إذا لم يُؤسَّس على فهم علمي وفلسفي، قد يتحوّل إلى انفعال لحظي. وكنت أطمح أن أكون جزءًا من منظومة تُخرّج أجيالًا تُدرك أن المسرح ليس فقط فنًا، بل مسؤولية.
والحمد لله، لم يخِب أملي في هذا الطريق. وجدت في المسرح الأكاديمي مساحة للبحث، وللتغيير، وللإبداع المستمر، وكل طالب أراه يكتشف موهبته من خلال ما أقدّمه هو تأكيد جديد على أن اختياري لهذا المجال لم يكن صدفة… بل كان قدرًا جميلاً
“تأسيس مركز قومي للمسرح التربوي والتفاعلي”، يكون تابعًا للجامعات المصرية، ويخدم مختلف المراحل التعليمية، لا الجامعات فقط.
هذا المركز سيجمع بين البحث الأكاديمي، والتدريب العملي، والإنتاج الفني الهادف، ويعمل على تخريج كوادر متخصصة في توظيف المسرح لخدمة التعليم، وقضايا المجتمع، والتنمية الثقافية.
وأطمح أن يكون هذا المركز ملتقى لطلاب الإعلام والمسرح والتربية، ومنصة لإطلاق عروض مسرحية تفاعلية تصل إلى المدارس، والمراكز الثقافية، وحتى القرى البعيدة.
كما أطمح أن نُعدّ من خلاله مناهج حديثة لتدريس المسرح في مراحل التعليم العام، تكون قائمة على القيم، والخيال، والتجريب، لا على التلقين أو العروض الموسمية التقليدية.
وأؤمن أن هذا المشروع، إن تحقق، سيكون له أثر بالغ في تشكيل وعي الأجيال القادمة، وفي ترسيخ المسرح كقوة تربوية ناعمة قادرة على بناء الإنسان المصري من الداخل… عقلًا وروحًا وسلوكًا.
المسرح طريق جميل، لكنه ليس سهلًا… ستجد من يُشجعك ومن يُشكك فيك، ستصعد خشبة المسرح وأنت ترتجف، وستنزل أحيانًا وأنت لا تدري هل نجحت أم لا. لكن صدقني… كل خطوة تخطوها على هذه الخشبة، تُشكّلك، وتُربّيك، وتُقرّبك أكثر من ذاتك ومن رسالتك.
تعلّم، اقرأ، جرّب، أخطئ، أعد المحاولة، ولا تكتفِ بالتصفيق، بل اسعَ للفهم. لا تجعل الهدف أن تُبهر الآخرين فقط، بل أن تُعبّر عن شيء حقيقي في داخلك.
واحذر أن تقع في فخ الغرور أو الاستسهال… المسرح فن عميق، لا يحتمل الأداء السطحي أو التكرار الممل.
واعلم أن كل دقيقة تقضيها في البروفات، وكل مشهد تُعيده مرات، هو استثمار حقيقي في نفسك، وستحصد ثماره عاجلًا أم آجلًا.
وأخيرًا… كن إنسانًا قبل أن تكون فنانًا. فالمسرح لا يُخرّج نجومًا فقط، بل يُخرّج قادة رأي، وصُنّاع وعي، وحَمَلة رسالة… فلا تفرّط في هذه الأمانة.
في ختام هذا الحوار الشيق، لا يسعنا إلا أن نتوجّه بخالص الشكر والتقدير إلى الدكتورة أسماء عبدالمنعم أبوالفتوح، أستاذ الإعلام المساعد بكلية التربية النوعية – جامعة المنصورة ، على ما قدّمته من رؤى صادقة، وتجربة غنية، وإيمان عميق برسالة المسرح في التربية والتعليم.
لقد تركت كلماتها أثرًا حقيقيًا، يؤكّد أن المسرح ليس مجرد خشبة، بل امتداد للروح، وأداة لصناعة جيل يُفكّر ويشعر ويحلم.
حوار د. تامر عبد القادر عمار
كاتب صحفي
خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي
مهتم بقضايات التنمية والعلاقات الانسانية


