أيها السادة في مواقع المسؤولية…
أيها الحاملون أمانة الشعوب في أعناقكم…
ليس هذا زمن الكلمات الباردة، ولا زمن الخطب التي تمرّ على الآذان دون أن تهزّ الضمائر.
هذا زمن الوجع الصادق، حين تتكلم الأوطان بصوت مكسور وتسأل أبناءها: إلى متى؟
إلى متى تبقى الخلافات أكبر من الحلم؟
إلى متى تصبح الخصومات السياسية أعمق من روابط الدم والتاريخ؟
إلى متى يعلو صوت الفرقة بينما أوطاننا تنادي باسم الوحدة؟
إن الألم الذي يسكن قلب أمةٍ كاملة ليس ألم مدينة واحدة، ولا وجع شعبٍ واحد.
إنه وجع تاريخٍ طويلٍ من الأحلام المؤجلة، وصرخة ضميرٍ تبحث عمّن يسمعها.
القدس بما تحمله من معنىٍ في الروح والتاريخ لم تكن يومًا مجرد مدينة، بل كانت رمزًا لمعنى أكبر: أن الأمة حين تتوحد يصبح لها قلب واحد.
لكن السؤال الذي يجب أن يقف أمام كل مسؤول اليوم هو سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره:
كيف يمكن لمن يقود أمةً أن يجمع شعبًا، إذا كان البيت نفسه منقسمًا؟
كيف يمكن لمن يدعو إلى وحدة الأوطان، أن يقبل بتفرّق الإخوة؟
إن الأسرة الصغيرة هي المرآة الأولى لكل وطن.
والبيت الذي لا يستطيع أن يجمع أبناءه حول مائدة واحدة، لن يستطيع أن يجمع أمةً حول قضية واحدة.
لهذا فإن المسؤولية اليوم ليست منصبًا ،بل أمانة ضمير.
كل مسؤول في موقعه صغيرًا كان أم كبيرًا يقف أمام سؤال التاريخ:
هل كنت جسرًا يجمع الناس ،
أم جدارًا يزيد بينهم المسافات؟
إن الأوطان لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الخلافات، بل إلى لحظة شجاعة.
لحظة يقول فيها الجميع: كفى.
كفى انقسامًا.
كفى خصامًا.
كفى نزاعاتٍ تُهدر طاقة الشعوب وتسرق من المستقبل حقه.
نحتاج يومًا واحدًا فقط…
يومًا تتقدم فيه الحكمة على الغضب، ويجلس المختلفون حول طاولة واحدة، لا ليعلنوا انتصار طرفٍ على آخر، بل ليعلنوا انتصار الوطن على الخلاف.
يوم للعتاب الصادق…
ويوم للمصارحة الشجاعة…
ويوم تنتهي فيه الكلمات الثقيلة بمصافحةٍ جميلة.
فالأوطان، مهما اختلف أبناؤها، لا تزال بيتًا واحدًا.
والبيت إن لم يجمع أبناءه ،يولد يتيمًا، وقد يموت يتيمًا.
أيها المسؤولون…
التاريخ لا يذكر عدد المناصب التي شغلها الرجال، بل يذكر المواقف التي أنقذت الأوطان.
والأوطان اليوم تنتظر موقفًا.
موقفًا يعيد للضمير صوته…
ويعيد للأمة قلبها…
ويعيد للأمل مكانه في صدور الناس.
فلنكن في هذا الوقت العصيب قلبًا واحدًا.
ولنترك الخلافات جانبًا، ولو مؤقتًا، حتى تعود الأوطان إلى أهلها، وتعود الكرامة إلى تاريخها.
فربما كانت لحظة الصدق التي نؤجلها اليوم…
هي اللحظة التي ينتظرها المستقبل كله
ولعل السؤال الذي يجب أن نختم به هذا الحديث المؤلم هو: لماذا نحن اليوم هنا؟
لماذا تقف أوطاننا على حافة هذا الألم؟
لماذا أصبحت الفرقة أكبر من الحكمة، والخلاف أوسع من مساحة القلب العربي؟
اليوم، سورية تبكي جراحها…
والعراق يحمل في ذاكرته وجع السنين…
ومصر، قلب الأمة، ينظر إلى المشهد بقلق العارف بثقل التاريخ…
وفي القلب من كل ذلك، القدس تقف شاهدةً على حكاية أمةٍ كان يمكن أن تكون جسدًا واحدًا.
إنها ليست حكاية دولٍ متفرقة، بل حكاية جسدٍ واحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالألم والسهر.
وهكذا نحن اليوم…
الألم واحد، والجرح واحد، والنداء واحد.
نداءٌ يخرج من أعماق التاريخ، ومن ضمير الأمة الذي لم يمت بعد، يقول:
إن الفرقة لا تبني وطنًا، وإن الخصام لا يصنع مستقبلًا، وإن الأوطان لا تعيش إلا بقلوبٍ تعرف كيف تختلف دون أن تتفرّق.
فليكن صوت الضمير العربي اليوم أعلى من صوت الخلاف،
ولنسمح للحكمة أن تتقدم خطوةً واحدة على الغضب.
فربما كان ما تحتاجه أوطاننا الآن…
ليس خطابًا جديدًا، بل صحوة ضميرعربي مسؤول بروح الوعي والحكمة
صحوة تجعلنا ندرك أن ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا،
وأن الأوطان التي نبكي عليها اليوم…
لا تزال تنتظر منا أن نكون قلبًا واحدًا.
نحن أمة رسول الرحمة والحكمة ونور البصيرة التي تتطلب منا الوحدة .

