بقلم دكتورة دعاء معاطي
ربما نجدُ في العلاقات كلَّ شيءٍ إلا الشعورَ بالأمانِ، وهنا تفقدُ العلاقاتُ كلَّ ثمينٍ. عندما لا تمنحني الشعورَ بالأمانِ، أترددُ في إلقاء أمتعتي تجاهك، وأفكرُ دائمًا في الرحيلِ.
الشعورُ بالأمانِ شعورٌ يولدُ مع أولِ صرخةٍ يصرخُها كلُّ مولودٍ في هذه الدنيا. عندما نكونُ أجنةً في بطونِ أمهاتنا، اعتدنا دقاتِ قلبِ الأمِّ، اعتدنا الشعورَ بالأمانِ. أما حينَ يصلُ الطفلُ إلى هذه الحياةِ ولم تكتملْ حواسُهُ، يجدُ أولى احتياجاتهِ هي شعورَهُ بالأمانِ فيصرخُ ويلاحقُ الصراخَ حتى تعودَ إليه دقاتُ القلبِ التي كانتْ تطمئنه. بعدَ أن تعودَ إليه تلكَ الدقاتُ يطمئنُ ويقوى ويقوى حتى يجوبَ البحارَ ويخوضَ المعارك، ولا يزالُ إحساسُ الاحتياجِ والشعورُ بالأمانِ يربطُهُ بعالمِ ميلادِهِ، يراودُهُ طوالَ حياتهِ، ويبحثُ عنه في كلِّ العلاقاتِ.
لا أحتاجُ في علاقاتي سواه، وبعدَ كلِّ ذلكَ تُقضى جميعُ الاحتياجاتِ. ما الحكمةُ إذًا أعطيتني بريقًا زائفًا ولم تُعطنِ الشعورَ بالأمانِ؟ لا يمكنُ للسعادةِ أن تولدَ مع الخوفِ والترددِ. كلُّ شيءٍ في هذه الحياةِ زائلٌ؛ الصحةُ زائلةٌ، والجمالُ مؤقتٌ، والشبابُ مؤقتٌ، والمالُ يزيدُ وينقصُ. إذا لم تشعرِ الروحُ بالأمانِ، تصبحُ العلاقاتُ أبخسَ من حفنةِ ترابٍ.
عندما تتعلقُ قلوبُنا ببشرٍ يحبوننا ونحبهم بصدقٍ، يروننا دائمًا الأفضلَ. عندما تشعرُ المرأةُ بأمانِ الأبِ، لا يشغلُها مالٌ أو شكلٌ أو جاهٌ أو سنٌّ. قد تكونُ تجاعيدُ البشرةِ خبرةً، وانحناءُ الظهرِ إصرارًا على مقاومةِ الحياةِ. لا تعطني إحساسًا بأنكَ قويٌّ وغامضٌ، يكفي أن أتنفسَ في علاقاتي مع البشرِ الأمانَ وقوةَ الأصلِ. إن مالتْ عنا الدنيا لا يميلون، وإن ذهبتِ الصحةُ كانوا دعمًا لنا، وإذا ذهبتِ المناصبُ أحبونا لأنفسنا. ضحكاتُنا لهم كنوزٌ، وآلامُنا وجعٌ لقلوبهم، وإن رحلنا تذكرونا في دعائهم.
ما هذا الصخبُ الذي نحياهُ؟ على أيِّ شيءٍ نتنازعُ؟ خرجنا من رحمِ أمٍّ بسيطةٍ، وعشنا في كنفِ أبٍ حنونٍ. ما رأتْ أعينُنا يومًا امرأةً أفضلَ من هذه الأمِّ، ولا ملأَ أعينَنا رجلٌ أفضلُ من هذا الأبِ. لن يلفتَ أنظارَنا إلا مثلُ هؤلاء، ولن يملأَ أعينَنا بشرٌ يبحثونَ عن أشياءَ زائفةٍ، ومناصبَ لا تدومُ، وكنوزٍ واهيةٍ. الطعامُ البسيطُ مع من نحبُهُ له نكهةٌ لا تُقاوَمُ. ليالي الشتاءِ لا تحلو إلا بالإحساسِ بالأمانِ. تراتيلُ الفكرِ لا تثلجُ القلبَ إلا إذا امتزجتْ بالطمأنينةِ.
كلُّ شيءٍ زائلٌ، إلا أن تحبَّ روحًا. لا جسدَ يدومُ، ولا بقاءَ لشيءٍ إلا السكونُ والراحةُ. وقد حسمَ اللهُ ذلك في قولهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. لو لم تكنِ السكينةُ هي أهمَّ ما يمنحُهُ المرءُ، لما خصَّها اللهُ تعالى في الآيةِ الكريمةِ، مع أنَّ نِعَمَهُ على المؤمنينَ لا تُعدُّ ولا تُحصى.

