بقلم دكتورة دعاء معاطى
الوطن ليس مجرد أرض، بل هو شعور عميق بالاحتواء والدفء لا يقدره إلا من تذوقه بحب. عندما قرأت كلمات أحمد شوقي الخالدة: “وطني لو شُغِلت بالخُلد عنه، نازعتْهُ إليه في الخُلد نفسي”، تساءل آدم ببراءة: “هل كان شوقي يحب مصر لهذه الدرجة؟ ما معنى البيت؟”
أجبته: “يعني أنه حتى لو انشغل بالجنة، فإن روحه ستشتاق إلى وطنه مصر وتنازعه عليه.”
فأجاب آدم بدهشة: “كيف ينسى؟ مستحيل! لكن هل مصر أجمل أرض؟”
قلت له: “نعم.”
فرد آدم متسائلًا: “كيف؟ وأنا أرى على الهاتف صورًا لبلاد أخرى.”
حينها، قررت أن أستخدم مثالًا قريبًا إلى قلبه. سألته: “هل أمك أجمل النساء؟”
أجاب دون تردد: “لا، شكلًا، رابونزل أجمل، لديها شعر أجمل من أمي وأطول بكثير!”
سألته مجددًا: “هل تحب أن تبدل أمك برابونزل؟”
فأجاب بحسم: “لا طبعًا! أمي أجمل من مليون رابونزل.”
عندها، ابتسمتُ وأضفت: “إذًا، ما بالك لو كانت مصر أمك؟ هي أجمل من كل البلاد فعلًا. أجدادنا عرفوا الطب في وقت كان العالم يتداوى بالخرافات.”
قال آدم: “كيف يتداوى بالخرافات؟”
أجبت: “أي شيء غير مدروس، مثل العلاج بالشعوذة أو بالأعشاب دون معرفة علمية.”
فأجاب مؤكدًا: “لا، مصر أفضل.”
واصلتُ حديثي: “وعرف أجدادك الهندسة في وقت كان العالم يسكن في الأكواخ.”
قال: “هذا حقيقي.”
قلت له: “نعم. بينما كولومبس اكتشف الأمريكيين قبل من حوالى خمساءة عام فقط، كان الهرم الذي هو مجرد مقبرة، قائمًا منذ آلاف السنين.”
تساءل آدم: “ما معنى مقبرة؟”
أجبت: “يعني قبر.”
قال بدهشة: “الهرم قبر؟! إذن بيوتهم كانت إيه؟”
قلت له بفخر: “أجدادك ملكوا كنوز الأرض وكانوا يرتدون أحذية ذهبية.”
سأل الطفل: “الحذاء كان من ذهب؟”
أجبت: “نعم. كان الغني والفقير يمتلك حذاءً ذهبيًا يلبسه في الأعياد.”
فأجاب آدم بوعي: “الأغنياء الآن في العالم لا يملكون أحذية ذهبية. فعلًا، أنا أرى أن مصر أجمل بلاد الأرض.”
وأضاف متسائلًا: “وماذا أيضًا؟”
قلت: “وطنك هو أول وطن يعبر البحار، فسفينة خوفو هي أول سفينة في التاريخ.”
نظر الطفل بعيدًا، وبدا الحزن على وجهه وهو يقول: “ولماذا وصلنا لكل هذا؟”
أجبته: “لأننا لم نكمل ما بدأه سقنن رع.”
سأل: “وماذا قال سقنن رع؟”
قصصت عليه الحكاية: “كان هناك شعب يسمى الهكسوس يحتل شمال مصر، بينما كان سقنن رع ملكًا في جنوبها. أرسل ملك الهكسوس رسالة تهديد له يشتكي فيها من أن أفراس النهر في طيبة تزعجه.”
ضحك آدم: “هذا استهزاء وإهانة!”
أجبت: “نعم، وهل قبل سقنن رع هذه الإهانة؟ لا، بل حارب هو وأبناؤه حتى طردهم أحمس.”
هنا، تغيرت نظرة آدم، وقال بجدية: “فعل كل هذا من أجل مصر؟ ونحن نفكر في الانتصار في لعبة روبلوكس؟ تركنا العلم واهتممنا بالهاتف؟”
وعلى الفور، أقسم آدم أنه لن يفتح هاتفه إلا لينشر كل يوم على صفحته صورة لعلم مصر، ثم يذاكر بجدية ليجعلها دائمًا أجمل البلاد.
الخلاصة
هذا الحوار يثبت أن بناء الأجيال ليس عبثًا، وأن لغة الحوار هي السفينة الحقيقية لإنقاذ جيل كامل وتوجيهه نحو حب وطنه وتقدير تاريخه.

