بقلم د/سماح عزازي
في زمنٍ تتغيّر فيه الوجوه كما تتقلّب الفصول، وتُباع فيه المشاعر على موائد المصالح، تظلّ “العِشرة” الصادقة كالغيم النقيّ في سماءٍ عاصفة… لا يقدّرها إلا من سكن قلبه الوفاء، وشهدت مواقفه على نبله وأصالته.
إننا لا نعيش وسط الجموع فحسب، بل نعيش في حضرة من منحونا الطمأنينة حين خذلنا العالم، ومن وقفوا معنا حين عبرَ بنا التعب… فالعِشرة ليست كلماتٍ تقال، بل مواقف تُحفظ، وعهودٌ لا تُنكث، وقلوبٌ لا تتلوّن.
“العِشرة غالية، لا يعرف قيمتها إلا الأصيل”… عبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها تختزل فلسفة إنسانية عميقة في جوهرها؛ فالعِشرة ليست مجرّد عشرة أيام، ولا مجرّد صحبة عابرة، بل هي زادُ روحٍ وسندُ عمرٍ، لا يصمد فيها إلا النبيل، ولا يزهر فيها إلا الوفاء.
إن العِشرة في حقيقتها ليست عدد السنوات التي نقضيها مع الآخرين، بل هي تلك اللحظات التي كنّا فيها لبعضنا وطنًا، والأنفاس التي تشاركناها دون أن نطلب مقابلًا، والمواقف التي كنا فيها ظلًّا للآخر في وقتٍ اشتدّت فيه شمس الحياة. العِشرة لا تُقاس بالزمن، بل تُوزن بالقلب… بالحضور الصادق، بالكلمة التي تُقال وقت الحاجة، بالصمت الذي يُربّت على الألم دون أن يتكلّم.
العِشرة موقف لا يُشترى
ليس كل من عاشرناهم كانوا عشرة، فالبعض عبور، والبعض جبر، والبعض بصمة لا تمحوها الأيام. الأصيل وحده يدرك أن العِشرة لا تعني التقاط الصور، ولا تبادل المجاملات، بل تعني الستر حين ينكشف الظهر، والكتف حين تثقل الخطى، والمساندة في صمت حين يعجز الكلام.
الأصيل لا ينسى من مشى معه دربًا، ولا يغيّر مشاعره إذا تغيّرت الأحوال. يظل وفيًّا، حتى لو باعدت بينكما المسافات. يظل محترمًا لذكريات جمعتكما، لا يلوك سيرتك في الغياب، ولا يفتش عن زلّاتك في دفتر الزمن. العِشرة عنده عهدٌ غير مكتوب، لا يبطله اختلاف، ولا ينسفه فتور.
الأصيل لا يخون العِشرة
في زمنٍ كثرت فيه الأقنعة، وقلّ فيه الأصيل، أصبحت العِشرة سلعة تُباع في سوق المصالح. نرى من يُبدّلون مشاعرهم كما يُبدّلون ثيابهم، ومن يضحّون بالقلوب التي أحبتهم من أجل نزوة، أو مصلحة، أو حتى كبرياء زائف.
لكن هناك دائمًا أولئك الأنقياء… الذين لا تغيّرهم الدنيا، ولا تنال منهم التقلبات. الذين إذا أحبّوا أخلصوا، وإذا وعدوا أوفوا، وإذا خاصموا عفوا، وإذا غابوا لم يُغلقوا الأبواب خلفهم. أولئك الذين يحبّون لله، لا لحاجة، ويقفون إلى جوارك دون أن يطلبوا مقابلًا أو يدوّنوا لك جميلًا في دفتر الديون.
العِشرة الحقيقية… رزق
لا شكّ أن وجود شخصٍ أصيلٍ في حياتك هو من أعظم الأرزاق. فهو الذي تلتجئ إليه حين تضيق بك الأرض، والذي تُخبره عن ضعفك دون خوفٍ من أن يستعمله ضدك لاحقًا. هو من يعرف صمتك كما يعرف حديثك، من يربّت على كتفك دون أن تسأله، من يدعو لك بظهر الغيب دون أن يعرف أنك تحتاج الدعاء.
وفي المقابل… إن كنت أنت الأصيل، فتمسّك بنفسك. لا تترك طيبتك في الطرقات حين يُؤذيك البعض، ولا تغيّر مبادئك لأن القلوب من حولك تغيّرت. كن كما أنت… نقيّ القلب، صادق النية، ثابت الخطى، لأن الأصالة لا تُعطى، بل تُولد معك.
خاتمة: لا تنسَ من عاش معك التفاصيل
العِشرة الغالية لا تُنسى، ولا ينبغي أن تُهدَر بسهولة. فكم من أناسٍ دخلوا حياتنا وتركوها كما لو لم يمرّوا بها، وكم من قلوبٍ مرّت بنا فصارت فينا… وكم من أصدقاءٍ لم نعد نراهم، لكن دفء حضورهم لا يزال يعيش في ذاكرتنا.
احترم من عاش معك وقتًا، ومن شاركك لحظة ضعف، ومن حفظ غيبتك، ومن حملك في قلبه حتى حين لم تكن حاضرًا. هؤلاء لا يُعوّضون، ولا يتكرّرون، ولا يُقاسون بميزانٍ دنيوي.
إن العِشرة الحقيقية لا تصدأ، ولا تنكسر، ولا تنتهي بانتهاء اللقاء. تبقى في القلب أثرًا لا يُمحى، وتظل في الذاكرة دفئًا لا يخبو. فاحرص أن تكون من أولئك الذين إذا أحبّوا أخلصوا، وإذا عاشروا وفَوا، وإذا ابتعدوا لم يطعَنوا. واعلَم أن الأصيل لا تغريه الأيام، ولا تغيّره الظروف… فكن أصيلًا، وامشِ بين الناس بقلبٍ يعرف قيمة العِشرة، ويحفظ الودّ، ويصون الغياب
فإن وجدت أصيلاً، فتمسّك به…
وإن كنت أصيلاً، فابقَ كما أنت.
فالعِشرة غالية… ولا يعرف قيمتها إلا الأصيل.

