بقلم: د. تامر عبد القادر عمار
في كل عام، تتكرر لحظة الحصاد… لحظة ينتظرها الآباء والطلاب والكوادر التعليمية بقلوبٍ تخفق، وعيونٍ مترقبة، وآمالٍ معلّقة على ورقةٍ صغيرة تحمل أرقامًا، لكنها تخفي خلفها أعوامًا من الاجتهاد، والتعب، والسهر.
وهكذا، أشرقت شمس النجاح هذا العام على دولة الكويت، ليُزهر معها ربيع من التفوق والتميز، وتتزين قوائم أوائل الثانوية العامة بأسماءٍ كتبتها الإرادة، ووقّعتها العزيمة.
لكنّ اللافت، والجدير بالتأمل، أن المراكز الأولى حملت هذا العام توقيعًا مصريًا بامتياز. أبناء الجالية المصرية في الكويت لم يكتفوا بالنجاح، بل تصدروا المشهد، وأثبتوا – مرةً أخرى – أن العلم لا يعرف جنسية، وأن الاجتهاد لا يعترف بحدود، وأن العقول المصرية أينما وُجدت، تترك بصمة لا تُنسى.
نجاحٌ يتجاوز الدرجات
نجاح الطلاب المصريين في الكويت ليس مجرّد أرقامٍ مرتفعة في الشهادات، بل هو انعكاس لحالة ثقافية وتربوية متكاملة. فالأسرة المصرية بطبعها تعطي للتعليم قيمةً خاصة، وتغرس في أبنائها منذ الصغر أن التفوق هو الطريق نحو الكرامة والفرصة والمكانة. ومن هنا، لا عجب أن نرى أبناء هذه الأسر يتصدرون المشهد التعليمي عامًا بعد عام، رافعين راية الطموح، ومؤكدين أن الغربة لا تمنع التألق، بل قد تصنعه أحيانًا.
شكراً دولة الكويت
فهذا التفوق ليس فقط مدعاة فخر للجالية المصرية، بل هو أيضًا إنجاز يفتخر به المجتمع الكويتي نفسه، الذي احتضن هذه العقول، ووفّر لها مناخًا تربويًا مستقرًا، وأنظمة تعليمية محفّزة.
لقد كان النجاح المشترك هذا العام – ككل عام – رسالةً بليغة تؤكد أن العلاقة بين مصر والكويت ليست مجرد تعاون دبلوماسي أو اقتصادي، بل هي نسيج إنساني وثقافي متين، يتجلى في المدارس، والجامعات، وساحات التفوق.
المدرسة الأولى: البيت المصري
من يتأمل قصص الأوائل، يلحظ أن وراء كل اسمٍ لامع، أسرةً صامدة. أمّ تدفع أبناءها نحو القمة بالكلمة والدعاء، وأب يُضحّي بكل شيء لأجل مستقبل أفضل. الغربة ليست سهلة، لكنها تصنع أحيانًا من التحديات معبرًا نحو النبوغ.
العقل المصري لا ينتظر ظروفًا مثالية، بل يصنع من التحديات فرصًا، ومن الحواجز سلالم يرتقي بها نحو النجاح.
تفوق اليوم… لبناء الغد
نجاح هؤلاء الطلاب يجب ألا يتوقف عند لحظة الاحتفال، بل ينبغي أن يكون بداية لرحلةٍ أطول. هذه العقول المتفوقة هي ثروة حقيقية، لا لمصر وحدها، بل للوطن العربي بأسره.
نحن بحاجة إلى منظومات تعليمية تحتضن هذا النبوغ، وإلى فرص جامعية تُبقي هذه المواهب ضمن دوائر البحث والابتكار، لا أن تهاجر مرةً أخرى بحثًا عن التقدير.
هؤلاء الطلاب لا يطلبون شيئًا سوى بيئة تحترم طموحهم، وتفتح أمامهم أبواب التميز، وتشعرهم بأن وطنهم – سواء كان الكويت أو مصر – يُراهن عليهم.
تحية إلى كل طالب… وكل معلم… وكل أسرة
في لحظات مثل هذه، يجب ألا ننسى الجنود المجهولين خلف هذا النجاح:
المعلم الذي لم يبخل بعلمه ولا بوقته،
والمدرسة التي احتضنت، ووجّهت، وصقلت،
والأم التي سهرت، والأب الذي عمل ليل نهار،
وحتى الطالب نفسه، الذي تحدّى المغريات، وكتم ألمه، وتحمّل ضغوط الدراسة ليكتب اليوم اسمه في قائمة المجد.
نحو تعليم يصنع الحضارة
إن هذا التفوق المصري في مدارس الكويت، يرسل رسالة أعمق من مجرد تهنئة.
هي دعوة لأن ننظر إلى التعليم بوصفه مشروع نهضة، لا اختبار درجات.
أن نصنع من مدارسنا مصانع للموهبة، ومن جامعاتنا منصات للعقل، ومن طلابنا قادةً للغد.
ولنكن على يقين: حين تكون الجالية المصرية متميزة في الخارج، فإنها لا تمثل نفسها فقط، بل تمثل قوة مصر الناعمة، وروحها، وثقافتها، وقدرتها الدائمة على صناعة الحياة في كل أرضٍ تطؤها.
فلنحتفل بهم، لا فقط بالتكريم، بل بالدعم، وبفتح الأفق، وبأن نضع هؤلاء الأوائل في المكان الذي يليق بموهبتهم: في مقدمة الصفوف، حيث تُصنع الحضارة.
ألف مبروك لكل ناجح… وألف شكر لكل من زرع هذا النجاح
د. تامر عبد القادر عمار
كاتب صحفي
خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي
مهتم بقضايات التنمية والعلاقات الانسانية
لايف كوتش السعادة





