بقلم د. تامر عبد القادر عمار
الحسد آفة من أخطر ما ابتُليت به النفوس البشرية، داء قديم قِدم الخلق الأول، حين رفض إبليس أن يسجد لآدم حسدًا لمكانته واصطفائه، فكان الحسد أول معصية في السماء، وأول شرارة عصيان أضرمت نارها في الأرض. ومنذ ذلك الحين، صار الحسد نارًا خفية تستعر في الصدور، لا تُرى بالعين ولكن آثارها ماثلة في العلاقات والأفعال، تهدم ولا تبني، وتُفرّق ولا تجمع، وتملأ الحياة كراهية وضيقًا بدل أن تفيض حبًّا وسكينة.
فالحسد ليس مجرد غيرة عابرة يتذوقها القلب ثم يزول أثرها، بل هو حالة مرضية متجذرة في النفس، تجعل صاحبها يتمنّى زوال النعمة عن غيره حتى لو لم ينلها هو. فالحاسد لا يفرح بخير ينزل بغيره، ولا يهنأ بعافية عند الآخرين، ولا يرضى أن يرى نعمة تتلألأ في يد سواه. بل يعيش في بؤس دائم، يرى في كل نجاح جرحًا لغروره، وفي كل نعمة سببًا لشقائه. ولذلك قيل قديمًا: ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من حاسد، نفسٌ دائمًا في عذاب، وقلبٌ لا يعرف الطمأنينة.
وللحسد أثر بالغ السوء على الفرد قبل المجتمع. فهو يستهلك طاقة صاحبه في مراقبة الآخرين، ويجعل نظره دائمًا إلى ما في أيديهم، غافلًا عما أنعم الله به عليه. فتراه لا يشكر ولا يقنع ولا يرضى، وكأن لسان حاله يقول: “لو كنت مكانه لكان خيرًا لي”. وهكذا يضيع عمره في تمني ما عند الناس، غير مدرك أن الرزق مقسوم، وأن ما كتبه الله لعبده لن يأخذه غيره.
ويُعد الحسد معول هدم خطير. فإذا تفشى في بيئة ما، غابت عنها روح التعاون، وخبت فيها جذوة المحبة، وتحولت العلاقات إلى ساحة صراع صامت. فبدل أن يسعى كل فرد لمد يد العون للآخر، يتربص به، وبدل أن يفرح بنجاحه، يضيق صدره، وبدل أن يدعو له بالبركة، يتمنى زوال النعمة عنه. وهكذا يفتت الحسد الأُسر، ويُفسد الصداقات، ويعكر الأجواء في بيئات العمل، بل ويزرع البغضاء حتى بين الجيران والأقارب.
فقد جاء التحذير الشديد من هذه الآفة، إذ قال الله تعالى: “ومن شر حاسد إذا حسد”، فجعل الحاسد شرًّا يُستعاذ بالله منه كما يُستعاذ من الليل إذا أظلم، ومن السحر إذا انتشر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب”. فما أعظمها خسارة، أن يُفني المرء حسناته التي جمعها بصلاته وصيامه وصدقاته، ليجعلها وقودًا لنار حقده على الناس. بل إن بعض السلف قالوا: ما رأيت نعمة أُعطيت لإنسان إلا والحاسد بها معذّب.
من هنا، فإن مواجهة الحسد لا تكون إلا بتهذيب النفوس وتربيتها على الرضا. فالله قدّر الأرزاق بحكمة بالغة، وجعل لكل إنسان نصيبه المعلوم الذي لا ينقص ولا يزيد. والرضا بالقسمة الإلهية يحرر القلب من قيود الحقد، ويفتح أمامه باب السكينة. وإن من أجمل ما قيل في ذلك: من نظر إلى من فوقه في الدين، وإلى من دونه في الدنيا، عاش راضيًا شاكرًا. فالطريق إلى السعادة ليس في ملاحقة ما في أيدي الآخرين، بل في إدراك النعم التي نملكها، وشكر الله عليها، والعمل على تعظيمها بالبركة.
كما أن من وسائل علاج الحسد أن يعود المرء نفسه على الدعاء بالخير لمن أنعم الله عليهم، فيقول: “اللهم بارك له”، لأن القلب لا يجتمع فيه الدعاء بالبركة مع تمني زوالها. فإن دعا لغيره بالخير، شعر أن الخير يتضاعف في قلبه هو قبل أن ينزل على صاحبه.
ولتعلم عزيزي القارئ إن الحسد، في جوهره، مرض يفتك بالروح قبل أن يضرّ بالآخرين، نار تحرق صاحبها قبل أن تمتد إلى غيره. أما الرضا، فهو جنة قلبية يعيشها المرء في دنياه قبل آخرته، سكينة تحميه من ألم المقارنة وتحرره من سجن التربص، لكنه لن يغير من أقدار الله شيئًا، وأن ما كتبه الله سيأتي لا محالة، وأن زوال النعم أو بقاؤها بيد الله وحده. ومن الحكمة أن نجعل قلوبنا نقية، تفرح بخير الناس كما تفرح بخير أنفسنا، ونؤمن أن في الدنيا متسعًا لكل أحد، وأن رزق الله إذا وُزّع بعدل لا يُبقي في القلب مكانًا للحقد.
فهو مرض يمكن علاجه بالإيمان، وبالتربية، وبنشر ثقافة الحب والدعاء والرضا. فإذا طهرت القلوب من هذه الآفة، سادت المودة بين الناس، وقويت لحمة المجتمع، وعاش كل إنسان مطمئنًا إلى أن نصيبه سيأتيه كما قدّره الله، وأن نعم الآخرين ليست خصمًا على نصيبه بل هي دليل على سعة عطايا الله

