بقلم: د. تامر عبد القادر عمار
ظهر نوعٌ جديد من التسول لا يمتّ إلى الفقر بصلة بقدر ما يرتبط بالاحتيال النفسي والعاطفي، هو ما يمكن تسميته بـ «التسول الإلكتروني».
تسول لا يُمارس عند إشارات المرور، ولا أمام المساجد، بل يطرق أبواب القلوب عبر تطبيقات الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، متخفّيًا في هيئة رسائلٍ إنسانية قصيرة تُثير الشفقة وتدغدغ الضمير، لكنها في حقيقتها فخٌ منظم لاستدرار المال باسم الرحمة.
تتلقى الرسالة في صباحٍ هادئ أو ليلٍ مزدحم، من رقمٍ مجهول أو حسابٍ غير مألوف، تحمل كلماتٍ بسيطة ولكنها عميقة التأثير:
“ممكن باللة عليك تقف جمبي في 100 جنية علي رقمي اجيب بيها اكل انا وبنتي باللة عليك عشان ظروفي صعبة وحيات بنتي هخدها منك وهنزل اجيب بيها اكل علي طول باللة عليك سعدني .”
هذه الكلمات حقيقة وصلت لي من حساب لدي بالتواصل الاجتماعي واحده من كثير بنفس الاسلوب ونفس المبلغ تقريباً ، كلماتٌ محسوبة بعناية، تُظهر ضعفًا وتُخفي دهاءً. ثم تتتابع الرسائل ذات الصياغة المتشابهة، وكأن وراءها جهةً تدير شبكة منظمة تعرف جيدًا كيف تُخاطب المشاعر وتستغل إحساس الناس بالرحمة والواجب الديني.
لقد تطوّر التسول، ولم يعد يعتمد على الوقوف في الشوارع، بل صار يعتمد على البيانات والمشاعر الرقمية. المتسول اليوم لا يحتاج إلى مكانٍ ولا إلى مظهرٍ، بل إلى قصةٍ مؤثرة تُروى في سطرين، وصورةٍ لطفلٍ حزين أو مريضٍ مجهول الهوية تُضاف إليها، فتتحول المعاناة الإنسانية إلى وسيلةٍ للكسب السريع ، والأدهى من ذلك أن بعضهم يستخدم صورًا مأخوذة من الإنترنت أو من صفحات الجمعيات الخيرية الحقيقية، فيسرقون الوجع الإنساني ليصنعوا منه تجارةً رخيصة تُهين معنى العطاء، وتزرع الشك في كل نداءٍ صادقٍ للمساعدة. وهنا تتبدّى المأساة الحقيقية؛ إذ يصبح الخير نفسه محلّ شك، وتضيع الثقة بين الناس، في زمنٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى التعاون والتكافل.
لقد استغل هؤلاء المتسولون الرقميون طبيعة النفس البشرية التي تميل إلى الرحمة والعطاء، وجعلوا من إحسان الناس طريقًا لابتزازهم. ومن المؤلم أن بعضهم يطلب مبالغ صغيرة لا تتجاوز بضع جنيهات، فيظن المتلقي أن الأمر بسيط ولا يستحق الشك، لكنه ينسى أن نفس الرسالة تُرسل إلى آلاف الأشخاص، فيتحول التسول الفردي إلى تجارة جماعية تدرُّ أرباحًا خفية تفوق ما يتخيله المرء، لذلك فإن مواجهة هذا النوع من التسول لا تكون بإغلاق القلوب أو تجميد المشاعر، بل بترشيد العطاء وتوجيهه عبر القنوات الموثوقة، من مؤسسات خيرية معروفة وجهات إشرافية معتمدة. فالعطاء الحقيقي لا يكون استجابة لدمعةٍ في رسالة، بل استجابة لواجبٍ وطني وإنساني منظم، يُحقق المصلحة دون أن يفتح بابًا للاستغلال.
وعليه، فإننا نُوجّه نداءً واضحًا وصادقًا إلى وزارة الداخلية المصرية، ممثلة في إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية، لزيادة الرقابة على هذه الحسابات الوهمية التي تتخذ من الرحمة ستارًا ومن العوز ذريعة. إن هذه الظاهرة لا تمسّ الأفراد فحسب، بل تمسّ صورة المجتمع وكرامة العمل الإنساني. والمطلوب اليوم تتبّع تلك الشبكات المنظمة، وقطع الطريق أمام كل من يستغل منصات التواصل للإضرار بالثقة العامة أو تشويه قيم التكافل.
إن التسول الإلكتروني جريمة مركّبة، تسرق المال والعاطفة معًا، وتُهدد القيم النبيلة التي بُني عليها المجتمع المصري عبر تاريخه الطويل. لذلك لا بد من تطبيق القانون بحزم، وتفعيل أدوات التوعية والإبلاغ الفوري عن أي محاولة تسول عبر الوسائط الرقمية ، ويبقى الدرس الأهم: أن العطاء الواعي هو أرقى أشكال الرحمة، وأن الكلمة الطيبة أو المساعدة المنظمة أبلغ أثرًا من تحويلٍ عشوائي يذهب في غير موضعه. فالإحسان الذي لا عقل فيه، قد يتحول إلى وقودٍ يستثمره المحتالون في تضليل البسطاء، وتشويه صورة الخير في النفوس.
إننا نعيش عصرًا يحتاج فيه الإنسان إلى أن يكون رحيمًا بعقله قبل قلبه، وأن يتحرى الصدق قبل أن يمد يده بالعطاء. فليكن وعيُنا درعًا يحمي إنسانيتنا من الزيف، وليكن إحسانُنا وطنيًّا منظمًا يزرع الخير في أرضه الخصبة، لا في فضاءٍ رقميٍّ يتغذّى على الوهم.

