إعتذارٌ يخرج من عمق القلب، حين نُدرك أنّ الزمن ليس مجرد مسافة بين حاضرين، بل سيفٌ يقطع حين يطول الانتظار وتشتدّ وطأةِ الشوق. لم أكن أعلمُ شراسةَ الوقت حتى حينما صار الانتظار حضوراً قاتلاً، حتى حينما بدا لي أن الوقت يصمت خلف جدارِ الروتين. لكن حين اقترب اللقاء، تبين لهفتُنا أن الساعات ليست عدّاً للأرقام فحسب، بل هي جروحٌ نابضة حين تتوالى بدون لقاء..
لقد كنتُ أظن أنني أمتلكُ الوقتَ في كفّي، وأن بإمكاني أن أسيطر عليه كما يسيطر المعتادون على أيامهم. وإذا بخفةِ اللحظة تتحول إلى سيفٍ يَتشقّق في رقبتي حين أعدّ الدقائق واللحظات التي تفصلنا عن بعضنا. في تلك اللحظات، أنحني أمام حتميّةِ القدر، وأعتذرُ لكِ من عمقِ الروح: عذراً إن لم ألتقكِ قبل أن يزاح الزمن عن مقاصدنا، فربما لم أكن أدركُ حينها أن الاشتياقَ ليس همّاً عابرًا، بل مطرٌ يبللُ القلبَ ويُنعشُ الروح.
اعذريني إذا فارقكِ الانتظارُ أكثر مما تحمليّ، وإذا حملتُ لكِ من أشواقنا ما يفوقُ الوصف. فأنتِ الحضورُ الذي يجعلُ للزمن معنى، وأنتِ اللقاءُ الذي يجمّلُ الكلمات عندما تعجزُ العيونُ عن التعبير. لعلّ ما مضى كان درساً في صبرٍ لا ينضب، وفي محبةٍ تَخْلُقُ من الألمِ برقاً يُضيءُ الطريقَ نحوكِ.
فاللقاءُ المرتجى ليس مجرد زمنٍ تجمّعنا فيه بجسدٍ واحد، بل هو عودةُ الروح إلى سكونها، وعودةُ القلب إلى نبضه معكِ. وإلى حين قدومِ ذلك الوجهِ المأمول، أُعانقُ خيالكِ في كلّ لحظة، وأعترفُ بأنّ العتابَ كان ضرورياً ليُشرحَ للقلوب أنّ الودّ أقوى من انتظارٍ مؤلم، وأن المحبةَ لا تُقاسُ بالوقت، بل تُشارِكُ العمرَ كله.

