كلّنا نركض في هذه الدنيا…
نركض خلف شهوة المال، وشهوة الزواج، وشهوة الأبناء، وشهوة السلطة، وغيرها من شهواتٍ لا يُلام الإنسان عليها، فهي فطرة، وطريق يمرّ به كلّ بشر.
لكن المأساة الحقيقية ليست في الركض…
بل في أننا نادرًا ما نتوقّف.
نادرًا ما نقف لننظر بصدق ونسأل أنفسنا:
وماذا بعد؟
لا يأتي هذا السؤال غالبًا إلا متأخرًا؛
بعد عمرٍ طويل، أو مرضٍ قاسٍ، أو لحظة ضعفٍ تُسقط عن القلب زيف القوة.
عندها يبدأ التفكير في المال:
كيف أوزّعه؟
لمن أتركه؟
ومن أحرمه؟
يفكّر البعض في كتابة وصية، لا حبًا في العدل، بل خوفًا من المستقبل، أو غضبًا من الأبناء، أو رغبةً في السيطرة حتى بعد الرحيل.
وينسى — أو يتناسى — حقيقةً كبرى:
أن هذا المال لم يكن يومًا ملكه الخالص،
وأن الله سبحانه وتعالى قد كتب في كتابه العظيم لكل ذي حقٍ حقه،
وأن الميراث تشريع إلهي لا يخضع للأهواء ولا للمزاج ولا للعاطفة.
لكن الأخطر من كل ذلك…
أننا نخطئ حين نظن أن الوصية هي المال.
الوصية الحقيقية ليست أرقامًا، ولا عقارات، ولا حسابات بنكية.
الوصية الحقيقية أعمق من ذلك بكثير.
هي أن تقول:
وصيتي أن يجتمع أولادي ولا يتفرّقوا.
وصيتي أن يرحم بعضهم بعضًا إذا غبت.
وصيتي أن يتذكّروا الفقراء الذين كنت أرعاهم،
وأن يمدّوا أيديهم بالخير لمن لا سند له.
الوصايا ليست أوراقًا تُفتح بعد الموت،
بل قيمٌ تُزرع قبل الرحيل.
تعلّموا من الحكيم لقمان،
حين أوصى ابنه… لم يحدّثه عن مال،
بل عن الأخلاق، وعن التواضع، وعن الصبر،
وعن كيف يحيا الإنسان مستقيمًا في هذه الحياة.
فالمال يذهب،والأسماء تُنسى،لكن الأثر يبقى.
اكتب وصيتك الحقيقية الآن،وأنت بكامل وعيك،وصحتك،وقلبك.
كن حكيمًا مع نفسك،فليست أعظم الوصايا ما نتركه في الأيدي،
بل ما نتركه في القلوب.

