بقلم د / محمد صابر
في السبعينات ونحن تلاميذ في المرحلة الابتدائية كُنا نتسابق في الكتابة بخط جيد , وكان التلميذ الذي يمتلك موهبة الخط الجيد يحظى باهتمام المدرسين والمدرسات ويتم الاستعانة به في بعض المهام داخل الفصل , وفي المدرسة , وكانت سعادتنا أن نرتقي ونحن نؤدي امتحان شهادة القبول قديماً , وهي الأن شهادة اتمام الدراسة الابتدائية لأننا سنكتب بالقلم الحبر في الامتحانات ونقوم بتجهيز الحبر لنملأ به القلم ونحن في فرحة عارمة , وعندما كبرنا في مراحل التعليم كانت الكتابة بالنسبة لنا بمثابة الفهم , والاستيعاب , وأن تُلخص لنفسك ما فهمته , وذاكرته ليتم تثبيته في ذاكرتك فإن ذلك يُشعرك بالسعادة أن تكتب , وتسرد ما قد قرأته عن طريق نقاط فرعية وعناوين رئيسية تكون لك بمثابة العون وتُلهمك الذاكرة أثناء الامتحانات لأنك سبق وأن كتبت بيدك وتدربت على ذلك استخدمنا ذلك في دراساتنا الجامعية والدراسات العليا نقوم بتلخيص ما ذكرناه كتابةُ وكأننا نُسمع لأنفسنا حتى نتذكرهُ .
القلم في القرآن الكريم : حينما ننظر إلى قوله سُبحانهُ وتعالى ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) وقوله سبحانه ( ن والقلم وما يسطرون ) ولأننا نعلم أن كل كلمة بل وكل حرف في القرآن الكريم لها معاني ومدلول نكتشفها يوماً بعد يوم وكان السؤال لنفسي ما فائدة التعلم بالقلم في عصر التكنولوجيا ؟ والذي أصبح هذا الجيل لا يُتقن الكتابة الصحيحة , بخط لا يُقرأ ويصعُب فهمُهُ .
أهمية القلم : هو نعمة عظيمة من المولى عز وجل جعلهُ وسيلة للعلم ( علم بالقلم ) بالقلم كتب العُلماء العلوم المُختلفة , والتي استفاد منها الناس في شؤون دينهم , ودنياهم , فكانت أول كلمة نزلت على الرسول الكريم (ص) هي الأمر بالقراءة ثُم الإشادة بالقلم كوسيلة لنقل العلوم , والمعرفة .
ويقول ( ابن القيم ) بالقلم تُخلد العلوم , وتُثبت الحقوق , وتُعلم الوصايا , وتُحفظ الشهادات , ويضبط المعاملات والحسابات بين الناس , وبالقلم نُقيد أخبار الماضين للباقين اللاحقين ولولا الكتابة لا انقطعت أخبار الماضين عن الباقين , ولا انقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض , وتخبطت الأحكام , ولم يعرف الخلف مذاهب السلف .
دراسات بحثية تُثبت أهمية القلم والكتابة : كشفت دراسة بحثية أجراها عُلماء بالجامعة النرويجية للعلوم , والتكنولوجيا أن الأطفال يتعلمون أكثر ويتذكرون بشكل أفضل عند الكتابة باليد حيث تكون أدمغة الأطفال أكثر نشاطاً عند الكتابة اليدوية عن الكتابة على لوحة المفاتيح بالكمبيوتر .
وأُجريت دراسات في الأعوام 2017 والعام 2020 على اثنى عشر طالبا شاباُ واثنى عشر طفلاُ وكانت هذه المرة الأولى التي يُشارك فيها الأطفال في مثل هذه الدراسة وأكدت الدراسة أن الكتابة اليدوية بالقلم تمنح الدماغ المزيد من القُدرة على حفظ الذكريات , وأوصت الدراسة أن الكتابة باليد تخلق نشاطاُ أكثر في الأجزاء الحسية في الدماغ , والحركية .
تجارب دولية : السويد أحد الدول التي تحظى بمؤشر مُتقدم في التصنيف العالمي في التعليم , أخذت قراراً بإلغاء استخدام التابلت في المدارس وذلك لأسباب تتعلق بتأثيرها على مُستوى القراءة , والكتابة , ومهارات التركيز لدى الطُلاب وتراجع مُستوى القراءة والكتابة لديهم .
ومن الدراسات التربوية التي تم إجراءها ثبت فعلياً أهمية الكتابة بالقلم وبيد الطالب للأسباب سالفة الذكر , وبالتالي عندما يتم ذكر القلم في أكثر من آية قرآنية لابد أن نعي أهمية ذلك للفرد , والمجتمع كما أثبتت الدراسات العلمية .
ومن تجاربي في الحقل التعليمي من الصعوبة تحديد الأفضلية للتعلم بالقلم أو التكنولوجيا الحديثة فإن ذلك يخضع للعديد من الأمور منها الاحتياجات والفروق الفردية بين الطلاب فالقلم كما أثبتت الدراسات يُعزز التركيز الجيد والانتباه , ويُنمي المهارات الحسية والحركية , بينما يوفر التابلت مرونة وسهولة في الوصول لمصادر المعلومات المتنوعة ولكن يظل القلم له رونقه وتأثيره في عقل وفكر وذاكرة كل من تفاعل وتعايش معه وفي النهاية يحضرني قول الشافعي ( العلم صيدُ والكتابةُ قيد ) .

