البداية التي جاءت متأخرة هناك جرح لا يشفى مهما وضعت عليه من ضمادات ومهما أقنعت نفسك بأنه أصبح جزءا منك جرح يشبه بابا لم يغلق جيدا كلما هبت ريح دخل الهواء وأعاد لك رائحة ما كان أنا لم أكن أبحث عن الحب حين وجدني كنت أطبطب على روحي بأطراف أصابعي وأخاف حتى من ضوء الشمس كأن حياتي كلها بعد رحيلها أصبحت غرفة تحتاج لخفض الصوت والعبور الهادئ
كانت المرأة التي أحببتها يوما تشبه الحياة في أولها تشبه الدفء الذي لا يشترى وتشبه النعاس الذي يأتي دون أن تطلبه ثم رحلت ومن بعدها لم أعد أثق في الأشياء التي تحب فجأة ولا في الهدوء الذي يأتي بلا سبب ولا في القلوب التي تقسم بأنها لن تترك أصبحت أتشبث بالحياة من طرف إصبع وأتنفس من نصف رئة وأحب بنصف قلب ثم جاءت هي في الوقت الخطأ ظهرت امرأة
أخرى لا تشبه الراحلة ولا تشبهني ولا تشبه الوجع الذي اعتدت عليه ظهرت في لحظة كنت أعيش فيها كضوء انكسر ولم ينطفئ كنت هشا لدرجة لو مرت على كتفي ريح خفيفة لسقطت كانت طيبة تخلط بين الخوف علي وبين محاولة فهمي لكنني كنت غريبا حتى على نفسي فكيف تفهم امرأة لم تشهد موتي الداخلي كيف يبدو قلبي من الداخل هي تحبني كمن يرى النور أمامه وأنا أحبها كمن
يقبض على الضوء وهو خائف أن ينطفئ فجأة كما انطفأ من قبل ما بين حاضر لا يكتمل وماض لا يرحم أعترف كنت أقارن دون إرادة ليس لأنها ناقصة بل لأن قلبي مشقق وكل شق فيه يحفظ وجها وصوتا ورائحة عندما تضحك هي يعود الزمن إلى ضحكة أخرى كانت تشبه ارتياح الجسد بعد تعب طويل عندما تلمس يدي أشعر بيد أخرى كانت تحفظ خطوط كفي كما تحفظ أم وجه طفلها عندما
تقول اشتقت لك أسمع في الخلفية صوتا آخر لا تبتعد عني طويلا لا أعرف كيف أشرح لها أنني أعيش بصورتين فوق شاشة واحدة وأن قلبي كمدينة ضربها الزلزال وما زال سكانها يخافون من المشي على البلاط حتى لو أعيد بناؤها الحقيقة التي تؤلم دون أن تقولها أنا لا أملك الشجاعة الكاملة ولا القدرة على الهروب أنا عالق في منتصف الطريق لا أقوى على العودة ولا أستطيع السير للأمام دون أن ألتفت
هي لا تعلم كم من الليالي أقضيها ممسكا بهاتفي دون أن أكتب لها شيئا ليس لأنني لا أريد لكن لأن الكلمات تخونني كيف أكتب أشتاقك وأنا لا أعرف لمن يمتد اشتياقي أكثر لها أم لظل امرأة نامت الأرض على صدرها كيف أقول أرتاح معك وأنا أعرف أن الراحة عندي لم تعد كاملة صارت نصف راحة ونصف خوف نصف طمأنينة ونصف توتر نصف ابتسامة ونصف دمعة لا تجف الرجل الذي
يحاول رغم أنه متعب قد يبدو كلامي كله هروبا لكنه ليس كذلك أنا أحاول أقف كل ليلة أمام نفسي وأخبرها إن لم تكن قادرا على النسيان فكن قادرا على العطاء أعط مما تبقى حتى لو كان قليلا أحاول أن أكون معها حاضرا أن أسمع دون أن تستفزني الذكريات أن ألمس يدها دون أن أبحث عن يد أخرى أن أضحك لها ضحكة لا تخفي خلفها غيمة من الدموع أنا لا أهرب منها بل أهرب من نفسي
وهذا أصعب أنواع الهروب الحب ليس عدالة ولا مساواة الحب الثاني ليس امتدادا للأول ولا تصحيحا ولا تعويضا بل محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن تهدم قلبك هي تستحق قلبا كاملا وأنا رجل نصفه يعيش معها ونصفه الآخر دفنوه في مقبرة لا يزورها أحد غير ذكرياتي لكن هل يعني هذا أنني لا أستحق أن أحب مرة أخرى وهل يعني أن من يحبني الآن يستحق أن أدفعه بعيدا لأن
قلبي ينزف الحب ليس عدالة في الحب يأتي البعض متأخرين ويجلسون في مقاعد ليست لهم ويضيئون أماكن لا تعرف أنهم كانت مظلمة الحب لا يعرف توقيتاولا ترتيبا ولا منطقا النهاية التي ليست نهاية لن أكذب عليك لن أقول إنني شفيت أو نسيت أو أن حياتي عادت كما كانت كل ما أستطيع قوله هو أنني أتعلم التعايش مع جرح لا يتوقف عن التنفس هي تحبني وأنا أحبها لكن على
طريقتي بطريقة رجل فقد نصفه ويحاول أن يعطي ما تبقى من النصف الآخر دون أن يسقط ربما يأتي يوم أجلس فيه بجانبها دون أن يمر طيف الراحلة بيننا وربما يظل هذا الطيف ضيفا لا يغادر لا أعرف لكنني أعرف شيئا واحدا أنني لا أكذب حين أحب ولا أهرب حين أتألم ولا أطلب المستحيل بل أطلب فقط فرصة فرصة للحياة حتى لو كانت الحياة هذه المرة بنصف قلب

