سَأَلْتُ نَفْسِي: مَن أَكُونُ؟
أَجَابَتْنِي بِكُلِّ صَراحَةٍ:
أَنْتَ درْبٌ مِنَ الجُنُونِ.
أَتْعَبْتَنِي، أَرْهَقْتَنِي
أُصارِحُكِ أَنَّكِ أَتْعَبْتِنِي ،وَعانَيْتُ مِنْكِ الأَمَرَّيْنِ.
تَفْكِيرُكِ الشَّارِدُ، وَتَدْقِيقُكِ الحادُّ وَالزَّائِدُ
هذَا زَمَانٌ تَسِيرُ الأُمُورُ، وَأَنْتِ لا زِلْتِ تَسِيرِينَ بَيْنَ السُّطُورِ.
لِمَ يا نَفْسِي تَقْسِينَ عَلَيَّ؟
أَمَا يَكْفِينِي ما أُلاقِيهِ مِنْ زَمانِي؟
لا تَلُومِي الزَّمانَ فَلا ذَنْبَ لَهُ
فِي أُناسٍ رَفَضُوا الثَّباتَ عَلَى المَبادِئِ، وَعَدَّدُوا لَهَا الأَلْوانَ.
فَما ذَنْبُ الزَّمانِ بِما فَعَلَهُ الإِنْسانُ؟
أَشْعُرُ بِكِ، فَأَنَا نَفْسُكِ الَّتِي أَتْعَبْتِها بِحَيْرَتِكِ
وَلَكِنْ رِفْقًا بِي، فَما عادَتْ لَدَيَّ طاقَةٌ لاحْتِمالِ جُنُونِكِ.
تَعِيشِينَ بِدَرْبٍ مِنَ الخَيالِ، وَتَبْنِينَ قُصُورًا مِنْ رِمالٍ.
نَفْسِي، لِمَ تَقْسِينَ عَلَيَّ وَأَنْتِ أَقْرَبُ مِنِّي إِلَيَّ؟
هَلْ أَخْطَأْتُ حِينَ حَلِمْتُ بِحَياةٍ تَحْكُمُها الأَخْلاقُ وَالمَبادِئُ؟
عُذْرًا
لَمْ تُخْطِئْ بِالحُلْمِ، وَلكِنْ أَخْطَأْتَ حِينَ تَجاوَزْتَ الحُلْمَ
وَتَصَوَّرْتَ أَنَّهُ بِالإِمْكانِ أَنْ تَحْكُمَ المَبادِئُ الإِنْسانَ.
إِنَّهُ الإِنْسانُ الدَّائِمُ النِّسْيانِ، المُحِبُّ لِلأَلْوانِ.
وَهَلْ يا نَفْسِي فِي حُبِّ الأَلْوانِ جَريمَةٌ؟
أَنا نَفْسِي أَعْشَقُ الأَلْوانَ .
وَأُعَدِّدُ أَلْوانَ مَلابِسِي وَجُدْرانِ حُجْرَتِي بِجَميعِ الأَلْوانِ.
حَتَّى فُصُولُ العَامِ أَعْشَقُ مِنْها الرَّبِيعَ لِكَثْرَةِ الأَلْوانِ
فَالأَلْوانُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ نُزَيِّنُ بِها حَياتَنا.
ما ذَكَرْتَ جَمِيلٌ، وَلكِنْ إِلَّا المَبادِئَ
يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عازِلَةً وَبَعِيدَةً عَنِ الأَلْوانِ .
تُوضَعُ فِي مَكانٍ آمِنٍ
وَيُدَوَّنُ عَلَيْها : “تُوضَعُ بَعِيدًا عَنِ الأَصْباغِ وَالأَلْوانِ”
فَكُلُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ نُلَوِّنَهُ، إلَّا المَبادِئَ
خُلِقَتْ بِلَوْنٍ أَبْيَضَ مُحايِدٍ لا يَقْبَلُ الأَلْوانَ
وَاعْلَمِي أَنَّ الأَلْوانَ إِذا دَخَلَتْ عَلَى المَبادِئِ
فَهِيَ نِهايَةُ الإِنْسانِ، هِيَ نِهايَةُ الإِنْسانِ.

