لأن القلب لا يموت مهما احترق ولأن في كل انكسار بذرة نجاة لا ترى
في لحظة من العمر تظن أن النهاية قد كتبت سطورها الأخيرة وأن الضوء انطفأ وأنك فقدت كل ما يمكن أن يمنح للحياة لونا
تجلس على حافة الصمت تتأمل ما تهشم فيك وتقول في سرك لقد انتهيت
لكن ما لا تعرفه حينها أن الألم لا يكتب النهاية بل يبدأ منها فصلا جديدا فصلا يولد فيه الأمل من رمادك المتناثر
إن للألم وجها خفيا لا يراه إلا من نجا منه
فهو لا يأتي ليهدمك فقط بل ليعيد بناءك على هيئة أقوى أنقى وأصدق
يأخذك من صخب الحياة إلى عمق ذاتك يجردك من الزيف ثم يتركك عاريا أمام نفسك لتبدأ من جديد دون أقنعة ولا خوف
كم من إنسان ظن أن جرحه نهايته فكان بداية طريق لم يكن ليعرفه لولا السقوط
وكم من قلب انكسر فخرج منه نور لم يكن ليولد لولا الشرخ العميق في جدرانه
حين يولد الأمل من رماد الألم تدرك أن الجراح ليست عدوا بل معلم صامت
تعلمك أن النور لا يأتي إلا بعد عتمة وأن كل وجع يزرع فيك درسا لا ينسى
تعلمك أن القوة ليست في أن لا تنكسر بل في أن تقوم بعد كل انكسار وأنت أكثر وعيا بذاتك أكثر هدوءا وأقل خوفا من القادم
في قلب كل خسارة حياة جديدة تختبئ
وفي كل وداع بداية لقاء مع نفسك التي تجاهلتها طويلا
الألم يصقلنا كما يصقل المطر حجارة الطريق
يغسلنا من شوائبنا ويتركنا أكثر نقاء وإن بدونا متهالكين
هو لا يسلبك الحياة بل يعيد تعريفها في داخلك
يجعل الأشياء الصغيرة التي كنت تغفل عنها تلمع من جديد دفء كلمة حضن أم دعاء صادق أو شمس تشرق بعد ليل ثقيل
هناك لحظة تشبه المعجزة
حين تستيقظ ذات صباح وتكتشف أنك لم تعد تبكي كما كنت
أن قلبك ما زال ينبض رغم الخذلان وأنك تبتسم رغم الشقوق التي خلفها الوجع
تلك اللحظة هي ولادة الأمل
تولد لا من فرح عظيم بل من رماد كان يوما ألما يأكلك حيا
يولد الأمل بصمت مثل زهرة عنيدة شقت طريقها من بين الصخور
تعلن للحياة أن ما كسر يمكن أن يزهر من جديد
والأمل يا صديقي لا يأتي صاخبا
بل يأتي متسللا كنسمة خفيفة تلامس روحك حين ظننت أنها انتهت
يأتي في دعاء صدقته في كلمة طيبة سمعتها مصادفة
في فكرة صغيرة جعلتك تؤمن أن الغد يستحق الانتظار
إنه لا يولد خارجك بل منك من داخلك الموجوع من قلبك الذي اختبر النار ولم يحترق
بل ازداد ضوءا كجمرة تحت الرماد تنتظر لمسة هواء لتتوهج من جديد
وحين يولد الأمل من رماد الألم تتغير نظرتك للعالم
لا تعود تبحث عن الكمال بل عن السلام
لا تسعى لأن تملك كل شيء بل لأن تفهم معنى الاكتفاء
تعرف أن ما رحل كان لحكمة وأن ما بقي هو ما كنت تحتاجه حقا
تتعلم أن الحياة لا تبتسم لمن يهرب منها بل لمن يواجهها بقلب جريح لا يزال يؤمن أن الغد أجمل حتى لو لم يأت بعد
تلك هي المعجزة التي لا يكتبها التاريخ في كتبه
لكنها تحفر في القلوب التي نجت من موت داخلي صامت
أن تقوم بعد كل سقوط أن تبتسم بعد كل انكسار
أن تقول للحياة ما زلت هنا وما زلت قادرا على الحب وعلى الإيمان وعلى الأمل
ففي النهاية لا يولد الأمل إلا من رماد الألم
ولا يشتد الضوء إلا بعد أن يشتعل القلب

