بقلم الكاتب الصحفي
د. عاشور غرياني
لم تعد الهجرة من الريف إلى المدينة مجرد خيار… بل أصبحت حتمية نفسية لدى جيل جديد نشأ على أن “الفرصة” تعيش بعيدًا عنه.
جيل خرج من المدارس بين الحقول والنجوع، لكنه لا يرى نفسه في الصورة. لا يصدق أن مستقبله سيكون حيث عاش أهله، ولا يتخيل أن النجاح قد يمر من قريته.
الملفت أن القرية، التي كانت يومًا عنوانًا للاستقرار، تحوّلت اليوم إلى محطة انتظار طويلة… للكبار فقط.
الشباب رحلوا. بعضهم ذهب إلى القاهرة، بعضهم إلى الخليج، وآخرون عبروا البحر دون رجعة. ما بقي، هم الآباء والأمهات… وأحيانًا الذكريات.
لماذا أصبح الريف يطرد أبناءه؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تبدأ من ذلك الشعور القاتل الذي يتسلل إلى شاب في العشرين: “أنا هنا بلا قيمة”.
لا عمل، لا مشروعات، لا فرص عادلة. التعليم بات مجرد شهادة. الزراعة لم تعد مُجدية. والحلم لا يسكن هذه البيوت الطينية التي كانت يومًا رمزًا للكفاح.
المدهش أن هذا الرحيل ليس فقط بحثًا عن المال، بل عن الاعتراف. الشاب يريد أن يشعر بأنه مرئي، بأن جهده سيُثمر، بأن ما يتعلمه سيُستخدم، لا يُعلّق على الحائط.
رغم المشروعات الكبرى التي دخلت إلى القرى مؤخرًا، وعلى رأسها “حياة كريمة”، ما زالت الروح غائبة.
تمهيد الطرق، وتوصيل الغاز، وتحديث المدارس… كلها إنجازات، لكنها لا تصنع حلمًا في قلب شاب.
الحلم يُولد من نموذج حي، من مشروع ناجح في نفس القرية، من شاب عاد من الخارج وفتح مصنعًا صغيرًا، من شابة بدأت نشاطًا منزليًا صار مصدر دخل.
الحلم يحتاج قصصًا واقعية، لا صورًا رسمية.
النتيجة اليوم أن لدينا آلاف القرى تسكنها أجساد شائخة وقلوب مكسورة.
القرية أصبحت بلا زفاف، بلا ألعاب أطفال، بلا أفراح شعبية.
كأن الريف يُطفئ أنواره تدريجيًا، دون أن ينتبه أحد.
المؤسف أن الدولة تركز في كثير من الأحيان على المدن فقط.
الإعلام لا يلتفت إلى الريف إلا في موسم الانتخابات أو الكوارث.
والخطاب الرسمي يتحدث عن الجمهورية الجديدة… لكنها حتى الآن لم تصل بالكامل إلى قلب القرية القديمة.
إذا لم تعد الدولة تفكر في ربط التعليم بسوق العمل داخل الريف، وتدعم ريادة الأعمال القروية، وتُعيد الاعتبار للزراعة والصناعات الصغيرة، فسنجد أنفسنا أمام نزوح جماعي داخلي، أكثر خطورة من الهجرة غير الشرعية.
ليس كل شاب يريد أن يترك أهله، ولا أن يعيش في “غُربة” يومية… لكنه حين يُجبر على ذلك، فإنه يرحل بلا عودة.
الوطن، إذا لم يتسع لحلم الشاب في قريته، فقد لا يتسع له أبدًا… في أي مكان.

