بقلم: دكتورة دعاء معاطي
عندما يَقومُ الإمامُ الأكبرُ بتوزيعِ الصدقاتِ بيده، مُتمسِّكًا بالزِّيِّ الصعيديِّ، والعمامةِ البيضاءِ، والجلبابِ الأبيضِ، وهو لِباسٌ يُشبهُ لِباسَ أبيكَ وجَدِّكَ؛ جلبابُهُ الوقورُ لا يُفرِّقُهُ شيئًا -وهو صاحبُ المعارفِ وسيدُ علومِ الدينِ- عن كلِّ مَن حولَهُ مِن أصحابِ الأصلِ الطيبِ. يُعلِّمُنا كلَّ يومٍ التواضعَ والإنسانيةَ والتمسُّكَ بالأصلِ الطيبِ، وأنَّ بَذَخَ الحياةِ زائلٌ.
واللهِ، لو أنجبتِ النساءِ كلَّ يومٍ رجالًا، ما بَرَّتْ بِمَن يُضاهيهِ في عصرِنا بتواضعِهِ وطيبةِ قلبِهِ. أحبَّ ربَّهُ واتَّبعَ سُنَّتَهُ بعقلٍ وقلبٍ مُنيرينِ بِذِكرِ اللهِ تعالى، فهدى جميعَ مَن يراهُ إلى الصوابِ. ولم يكتفِ الإمامُ بالحضورِ بهذه الهيئةِ التي تَخطِفُ القلوبَ والعقولَ، وتُعطي كلًّا مِنَّا درسًا يُفيقهُ من بَذَخِ الدنيا الزائلِ؛ بل أخذَ يُلامِسُ الأطفالَ ويُسلِّمُ عليهم بيده، ويُشعرُهم بِقلبِ الأبِ والجدِّ.
واللهِ، ما رآه العالمُ اليومَ من قيامِكَ بتوزيعِ الصدقاتِ بيدك الحنونةِ جسَّدَ لنا مشهدًا لعمرَ بنِ الخطابِ الذي كان يُوزِّعُ الصدقاتِ بيده ويعدلُ في توزيعِها، وكان يعتبرُ نفسَهُ خادمًا لقومِهِ لا مالكًا عليهم؛ وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ -رضيَ اللهُ عنه- الذي وَزَّعَ بيده الصدقاتِ؛ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ الذي كان يُشعلُ شمعةً من بيتِ مالِ المسلمينَ ليدرسَ أمورَهم، وإذا أرادَ قراءةَ كتابٍ أشعلَها من مالِهِ ويأخذُها في جيبِ ثوبِهِ البسيطِ.
لو تحدَّثَ الإمامُ في حديثٍ عن توزيعِ الصدقاتِ، ما كان أوقعَ في النفسِ ممَّا رأيناهُ يُوزِّعُ بيده لِباسَ المدارسِ وحقائبَ التلاميذِ عليهم، بثيابٍ تُشبهُ ثيابَ ذَوِيهم. علَّمَنا جميعًا معنى العطاءِ دونَ كسرِ طفلٍ، بل مع جَبرِ قلبِهِ بلمسةِ حنانٍ بيده. لقد طبَّقتَ بِفعلِكَ العظيمِ قولَ اللهِ تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَانفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
فَلِنتَ لِمَن حولَكَ فَوضعوكَ في قلوبِهم، وتواضعتَ في مَلْبَسِكَ فقَلَّدَكَ كلُّ مَن تحتَ قيادتِكَ، وتعامَلتَ بنَبضِ القلبِ فأحبَّكَ كلُّ مَن رآكَ، وتوكَّلتَ على اللهِ فكانَ الجامعُ الأزهرُ بقيادتِكَ مَنارةَ اللهِ في أرضِهِ.
سَلِمتَ مِن كلِّ شرٍّ يا أبانا.


