كان سيدنا رسول الله ﷺ في مكة يصلي إلى بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس كي يستقبلهما معًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال «كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي وهو بمكةَ نَحْوَ بيتِ المقدسِ والكعبةُ بينَ يدَيهِ» .
وعندما هاجر سيدنا محمد ﷺ والمسلمون إلى المدينة كان بيت القدس قبلتهم ما يقرب من عام ونصف فعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى نحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا».
حتى جاء الأمر الإلهي إلى سيدنا رسول الله ﷺ بتحويل القبلة إلى المسجد الحرام بمكة في منتصف شهر شعبان من العام الثاني للهجرة على المشهور ونزل في قول الله تعالى (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ ) .
حيث رسخت حادثة تحويل القبلة أن الغاية العظمى هي عبودية الله سبحانه والتسليم له وإن إختلفت الوجهة فلله سبحانه المشارق والمغارب قال تعالى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .
وكان حدث تحويل القبلة اختبارًا من الله سبحانه تبين من خلاله المؤمن الصادق المُسلِّم لله وشرعه والمعاند العاصي لله ورسوله ﷺ قال تعالى {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّاِ لنَعْلَمَ َمنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} .
فكانت إستجابة المؤمنين صدقًا وهُدًي ونورًا إذ سارعوا إلى إمتثال لأمر الله يقولون سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا أما المشركون فزادهم هذا الحدث العظيم عنادًا على عنادهم وقالوا يوشك أن يرجع محمدٌ إلى ديننا كما رجع إلى قِبلتِنا فخاب ظنهم وكسَد سعْيُهم وباؤوا بغضبٍ على غضبٍ .
ففي حدث تحويل القبلة تأكيد على عُلوّ مكانة سيدنا رسول الله ﷺ عند ربّه فقد كان ﷺ يحبّ التوجَّه في صلاته إلى البيت الحرام وتهفو روحُه إلى إستقبالِ أشرفِ بقاع الدُّنيا فعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ».
وعلى المُستوى المُجتمعي يظهر هذا الحدث تكاتف المسلمين وإتحادهم وأنهم بمثابة الجسد الواحد في التسليم لوحي الله سبحانه وشرعه وفي حرص بعضهم على بعض حينما خاف بعضهم على إخوانهم الذين ماتوا ولم يدركوا الصلاة إلى المسجد الحرام فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }.
جدير بالذكر بأن تحويل القبلة تعظيمًا وتشريفًا لأُمَّة الإسلام بالوسطية والتوفيق إلى قبلة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام لتستحق بذلك مكانة الشهادة على جميع الأمم قال الله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} .

