قراءة نقدية تحليلية.
يعلم الجميع أنّ ما يعرف بأعمدة الجيل الخامس قد انتشرت فوق أسطح المنازل وعلى امتداد شوارع المدن في مختلف بقاع العالم. ويجري تقديم هذه المنشآت التقنية على أنّها بنى مخصّصة لتسريع تدفّق الإنترنت وتحسين جودة الاتصال الرقمي، غير أنّ هذا الطرح الشائع، رغم شيوعه، يثير أكثر من علامة استفهام.
فالواقع التقني المعاصر يبيّن أنّ منظومات الاتصال الحديثة تجاوزت حدود الجغرافيا الأرضية، إذ أصبحت الأقمار الصناعية عنصرا محوريا في نقل البيانات، لا سيما في حالات الطوارئ المفاجئة أو الانقطاعات الكبرى. وقد تجلّى ذلك بوضوح إبّان الاضطرابات الداخلية التي شهدتها إيران، حين اتّخذت السلطات قرارا بحجب الإنترنت لأكثر من أربعة أيام على خلفية الاحتجاجات الواسعة، في سياق سعيها إلى ضبط المشهد الإعلامي. ورغم ذلك، سجّلت استثناءات شملت بعض الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام الرسمية.
في تلك المرحلة، طرح حديث واسع عن حلول تقنية عابرة للحدود، اعتمدت على آلاف الأقمار الصناعية الموجودة في المدار الأرضي المنخفض، لتأمين اتصال عالي السرعة دون الحاجة إلى بنية تحتية محلّية كالألياف البصرية أو الأبراج الأرضية. هذا النمط من الاتصال مكّن من إيصال الأخبار من الداخل إلى الخارج، عبر نظام «ستارلينك» الفضائي التابع لشركة «سبيس إكس» التي يملكها رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك، وهو النظام ذاته الذي جرى استخدامه سابقا لدعم الاتصالات العسكرية الأوكرانية منذ اندلاع الحرب عام 2022.
هذا التحوّل التقني، بمعزل عن تفاصيله الهندسية الدقيقة، أعاد طرح إشكالية جوهرية تتعلّق بطبيعة البنية الاتصالية العالمية في عصرنا، وبحدود التداخل بين الأرض والفضاء ضمن منظومة الاتصال الحديثة. فإذا كانت الأقمار الصناعية قادرة على توفير الشبكة في ظروف استثنائية، فما الموقع الفعلي لتلك الأعمدة المنتشرة بكثافة داخل المدن؟ وهل يقتصر دورها على تسريع تدفّق البيانات فحسب؟
تكمن حقيقة السؤال في مستوى الوضوح المتاح حول طبيعة عمل هذه المنشآت، ونطاق تأثيرها، والأنظمة التي تندمج ضمنها. فالتكنولوجيا، حين تصبح جزءا من الحياة اليومية وتمسّ تفاصيل الوجود الإنساني، تغدو معرفتها شأنا عام يتجاوز الخطاب الترويجي المختصر.
وبما أنّ الاتصال الرقمي أمكن توفيره من خلال شبكات الأقمار الصناعية المنتشرة على نطاق عالمي، يبرز تساؤل إضافي حول الوظيفة الحقيقية لهذه الأعمدة الأرضية، خاصة في ظل وجود منظومات فضائية قادرة على إيصال الشبكة مباشرة إلى الهواتف الذكية.
ما الدور الفعلي لهذه الأعمدة؟؟ فلا بد للمساءلة بدل التسليم الأعمى بها،
مما يستدعي منا قراءة نقدية تتجاوز السرد التقني المبسّط، ونتجه نحو تفكيك بنيتها وتأثيراتها بعيدة المدى.
المثير للصدمة في هذا الموضوع يتمثّل في أن هذه الأعمدة ما هي إلا نماذج مصغّرة من منظومة «هارب» الشهيرة، تلك المنظومة المرتبطة بالتحكّم في المناخ وتوجيه الظواهر الطبيعية. ووفق هذا التصوّر، تعمل هذه الأجهزة على تشكيل أنماط زلزالية محددة، وتوجيه حركة السحب، وضبط معدلات الأمطار، والتسبّب في الفيضانات، إلى جانب إحداث تغيّرات في الغلاف الجوي عبر بثّ ذبذبات كهرومغناطيسية مضبوطة تؤثّر على دماغ الكائنات الحيّة بمختلف أشكالها.
أنصار هذا الطرح كثيرون، إذ يستندون إلى ملاحظات ميدانية متكرّرة، حيث سجّل عدد من السكان تدهور المساحات الخضراء المحيطة بالأعمدة ضمن نطاق يتراوح بين خمسين ومئة متر، حيث ذبلت الأشجار، وتوقّف الإثمار، وتعرّضت الماشية والدواجن والأغنام إلى النفوق. وتشمل هذه التأثيرات، الكائنات المائية والنباتية والحيوانية، ضمن محيط القرب المباشر من تلك المنشآت.
أما الأعمدة المنتشرة على أسطح المباني، وفي الأحياء الشعبية والمناطق المكتظّة بالسكان، فهي أدوات تعتمد الذبذبات الكهرومغناطيسية الموجّهة لإحداث الأمراض المزمنة، ولإضعاف الكائنات الحيّة.
وعند تفعيل سيناريوهات زلزالية، يفترض أنّ هذه الأعمدة تدخل في تزامن مع جهاز مركزي أشمل، ضمن شبكة موحّدة لإحداث التأثير المطلوب. وبهذا الفهم، يعاد تعريف دورها كجزء من منظومة تأثير شامل، بعيدا عن الخطاب التقني المتداول.
ويستحضر هنا تساؤل بسيط من أرشيف المعطيات التقنية، كيف كانت الإشارات الأثيرية تصل إلى أجهزة المذياع والتلفاز في البيوت قبل ظهور هذه الأعمدة؟
الجواب المتداول يشير إلى منظومات فضائية كانت تؤدي هذا الدور عبر الأقمار الصناعية.
ضمن هذا الإطار، يطرح خطر صحي واسع النطاق، إذ يربط القرب المكاني من هذه الأجهزة بانتشار أمراض سرطانية واضطرابات نفسية وارتفاع حالات الانتحار. كما يشار إلى استخدام ذبذبات بتردّدات معيّنة للتأثير في الوعي الجمعي، ودفع المجتمعات نحو حالات هيجان، وتأجيج الفوضى والكراهية والاحتجاجات.
وبالتالي فإن هذه المنشآت هي امتداد عملي لمنظومة “هارب”.
،؛، يسخرون من وعي الناس، يعدونهم بشبكة رقمية، ويسلّمونهم فناء بطيئا، يغلّفون الموت بواجهة الإنترنت، ويقدّمونه في هيئة خدمة عصرية، يخاطبون الجماهير بلغة الاتصال، بينما تدار في الخفاء معادلات الهلاك. يبيعون الوهم باسم الشبكة، ويحصدون الأرواح باسم التقدّم.،؛،

