الْحَقِيقَةُ، كَتَبْتُ هَذَا الْمَقَالَ فِي هَذَا الصَّبَاحِ لَيْسَ تَحَيُّزًا لِمِهْنَةٍ وَلَا لِأَفْرَادٍ أَعِيشُ بَيْنَهُمْ، وَلَكِنْ لِنَعِيَ جَمِيعًا أَيْنَ نَحْنُ ذَاهِبُونَ؟
كَتَبْتُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَيْسَ بِوَصْفِي الْعِلْمِيِّ الْحَالِيِّ، وَلَكِنْ بِشُعُورِ تِلْمِيذَةٍ كُنْتُ أَجْلِسُ يَوْمًا مَا فِي فَصْلٍ. أَتَذَكَّرُ جَيِّدًا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ الْإِعْدَادِيِّ مُعَلِّمَ مَادَّةِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الْأُسْتَاذَ أَحْمَدَ الْمُحَمَّدِيَّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. كَانَ بِالنِّسْبَةِ لِي قُدْوَةً حَقِيقِيَّةً فِي الْفَصْلِ. بَشُوشُ الْوَجْهِ، شَخْصِيَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، مَظْهَرٌ مُنَمَّقٌ. أَتَذَكَّرُ جَيِّدًا رَائِحَةَ عِطْرِهِ كَانَتْ تَمْلَأُ الْفَصْلَ، وَنَعْلَمُ جَمِيعًا أَنَّ الْعِطْرَ لِلرِّجَالِ سُنَّةٌ. كَانَ يَسْبِقُ حَدِيثَهُ دَائِمًا عَنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِبَارَةُ “حَبِيبِي النَّبِيُّ”. كَانَ دَائِمَ التَّشْجِيعِ لَنَا عَلَى تَحْضِيرِ الدَّرْسِ. نَجَحَ هَذَا الْمُعَلِّمُ بِمَظْهَرِهِ وَأُسْلُوبِهِ وَشَخْصِيَّتِهِ وَجَمِيعِ تَفَاصِيلِهِ، وَأَنَا طِفْلَةٌ، أَنْ يَكُونَ قُدْوَةً لِي. عِنْدَمَا كُنَّا نُسْأَلُ: مَاذَا نُحِبُّ أَنْ نَعْمَلَ؟ قَدْ يَتَبَادَرُ إِلَى أَذْهَانِنَا مِهَنٌ لِشَخْصِيَّاتٍ مَشْهُورَةٍ. نَجَحَ هَذَا الْمُعَلِّمُ أَنْ يَخْتَرِقَ فِي خَيَالِي طَابُورًا طَوِيلًا مِنَ الْمَشَاهِيرِ لِأَجِدَ نَفْسِي لَا مَانِعَ عِنْدِي أَنْ أَكُونَ مِثْلَهُ. وَلِيُّ الْأَمْرِ يَأْتِي يُكَلِّمُهُ بِاحْتِرَامٍ. الشَّيْخُ يَعْمَلُ لَهُ أَلْفَ حِسَابٍ. أَنَا نَفْسِي الطِّفْلَةُ الْمُتَمَرِّدَةُ أَنْتَظِرُ حِصَّتَهُ لِأُسْمِعَ لَهُ مَا حَفِظْتُ مِنْ تَحْضِيرٍ.
إِذًا، خَلِيقٌ بِكُلِّ مُعَلِّمٍ أَنْ يَعِيَ أَنَّهُ شِرَاعُ سَفِينَةِ الْأُمَّةِ. يَهْجُرُ الْكَلَامَ الَّذِي يَجْرَحُ أُذُنَ الْمُتَعَلِّمِ. يَهْتَمُّ بِمَظْهَرِهِ إِلَى أَبْعَدِ مَدًى، فَهَنَاكَ عُيُونُ مُتَعَلِّمِينَ تَتَرَقَّبُهُ. سَيَنْجَحُ فِي تَحْبِيبِ الْمُتَعَلِّمِ فِي التَّعْلِيمِ. لَا ذَنْبَ لِلطِّفْلِ فِي نَفْسِيَّتِكَ. لَا تَجْعَلْهُ يَرَاكَ مَهْمُومًا بَائِسًا، سَيَتْرُكُ مَا تَقُولُ وَيَذْهَبُ لِيَسْمَعَ أَشْخَاصًا يَرَى عَلَيْهِمْ أَثَرَ النِّعْمَةِ لِيَكُونَ هُوَ مِثْلَهُمْ. كُنْ فَارِسَ أَحْلَامِ مُتَعَلِّمِكَ. لَا زِلْتُ أَذْكُرُ مُعَلِّمِي وَأَذْكُرُ اسْمَهُ وَأُكِنُّ لَهُ كُلَّ احْتِرَامٍ وَتَقْدِيرٍ. فَإِذَا نَجَحَ الْمُعَلِّمُ فِي كَسْبِ احْتِرَامِ الْمُتَعَلِّمِ لَنْ يَلْجَأَ لِطَرَائِقَ غَيْرِ تَرْبَوِيَّةٍ أَوْ شَيْءٍ آخَرَ. حُبُّ الْمُتَعَلِّمِ لِلْمُعَلِّمِ هُوَ السَّبِيلُ الْأَمْثَلُ.
صَبَاحُكُمْ سَعِيدٌ.

