بقلم د. تامر عبد القادر عمار
روحٌ ممتدة في وجدان الشعب منذ آلاف السنين، روحٌ صاغتها حضارة عظيمة، وروتها دماء الأجداد الذين دافعوا عن أرضهم وعرضهم في وجه الغزاة والطامعين.
على مر التاريخ، كانت مصر قِبلة للأنظار ومركزًا للتأثير، لا بفضل موقعها الجغرافي وحده، بل بفضل روح قومية متجذرة تجعل أبناءها يقفون صفًا واحدًا عند المنعطفات الكبرى. تلك الروح لا تعرف الانقسام، لأنها نتاج إحساس عميق بالانتماء، ووعي بأن قوة مصر في وحدة شعبها.
القومية المصرية ليست انعزالًا عن العالم، بل انفتاحًا واعيًا يحافظ على الهوية، ويشارك في صناعة الحضارة الإنسانية من موقع القوة والثقة. فهي تجمع بين الفخر بالماضي، والعمل من أجل المستقبل، دون التفريط في الثوابت التي تحفظ الشخصية المصرية متفردة وسط الأمم.
وعندما نتحدث عن القومية المصرية اليوم، فإننا نتحدث عن منظومة قيم، تبدأ من حب الوطن والعمل من أجله، مرورًا بالاستعداد للتضحية في سبيله، وانتهاءً بالإيمان بأن المصلحة الوطنية العليا هي البوصلة التي تحدد اتجاهنا، مهما اختلفت آراؤنا وتباينت مواقفنا.
في ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة، تتجلى أهمية القومية المصرية كحائط صد أمام محاولات النيل من استقرار الدولة أو تشويه صورتها. فهي ليست مجرد إحساس عاطفي، بل وعي سياسي واجتماعي يجعل المصريين قادرين على التمييز بين الحقائق والشائعات، وبين ما يخدم وطنهم وما يهدده.
لقد أثبتت الأحداث، من ثورة 1919 إلى حرب أكتوبر، ومن معارك البناء في السد العالي إلى مواجهة الإرهاب، أن المصريين حين تُمس كرامتهم الوطنية يتحولون إلى كتلة صلبة عصية على الكسر. وهذا هو جوهر القومية المصرية: الإيمان بأن الوطن فوق الجميع، وأن قوته من قوة أبنائه.
اليوم، ومع مشروعات التنمية الكبرى، وإعادة بناء الدولة على أسس حديثة، تزداد الحاجة إلى ترسيخ هذه الروح في نفوس الأجيال الجديدة، عبر التعليم، والإعلام، والثقافة، ليظل الانتماء لمصر شعلة متقدة لا تخبو، مهما تغيرت الظروف.
إن القومية المصرية ليست ماضياً نحتفي به فحسب، بل حاضر نعيشه، ومستقبل نصنعه. هي عهدٌ بين الإنسان والأرض، بأن تبقى مصر دائمًا في القلب، وأن يبقى أبناؤها على العهد، أوفياء لرايتها، مخلصين لقيمها، مؤمنين بأن أمتهم لا تعرف الانكسار

