يعتقــد البعـض أن الغـبي هـو الجـاهـل أو ما شــابه، وهـذا غيـر صــحيح، فهنــاك أغبيــاء حاصــلين عـلي درجـات علميـة رفيعــة، وهنــاك آخـرين فـي مناصــب راقيــة. الغبــاء ســـلوك مختــار مـن صــاحبه، والغـبي هـو ما ينطــبق عليـه قـول الله تبـارك وتعــالي: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ. ســورة البقـرة – أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. ســورة الفـرقـان 44.
الهيـاكل التنظيميــة، لهـا رأس ولهــا قـاعـدة. وعالميــا هـذا الهيـكل رأسـه حكــومة عميقــة عالميــة، هـدفهـا السـلطة والنفـوذ والهيمنـة، وأخضــاع الجميـع ســواء حلفــاء أم أعــداء، فالكـل عـند الحكـومة العميقــة ســواء. وينبثــق منهــا حكــومات آخــري تابعــين للتوجيهــات، ومـن عـلي الســاحة مجــرد منــدوبين عـن هــذه الحكــومات، يمكــن أعتبــارهم كمتحــدث رســمي عـن كـل حكــومة عميقــة قطــرية. الأختيــار لهــؤلاء الأفــراد يتـم وفـق دراســات وأختبــارات ومخططــات معقــدة، ويـتم أيهــام العـامـة أنهـم مـن يـآتـون بهـم وفـق الديمقـراطية. الأختيــار مســبق وفـق الحـاجـة والهـوي والرغبـــة، لذلـك الحنكـة السـياسـية والدبلوماســية بـدأت فـي الأنـدثـار عـلي السـاحة العالميــة، فالكــل مـوظــف عـند جهــات الضــغط وعليـه تـآديـة دوره، والا يـتم أقالتــه أو طــرده.
الحـرية والديمقـراطية وغــيرها، صــارت مجــرد أطــار لتجميــل الصــورة. فالحـريـات يـتم قمعهــا بالخـداع “العبــودية المختــارة”، والديمقـراطيـة يـتم حجبهـــا بالتضــليل “التصـريحات الموجهــة”. للأســف الشــعوب الغربيــة صــارت ضــحية للخـداع والتضـليل، فلـم يتبــقي لهـم سـوي القليــل مـن الرفاهيـــة، وهـي فـي الأصــل حــق أصــيل لهــم. والأنهــيار الأقتصــادي الغـربي ســيتلاشي معـه مـا قـد يتبــقي مـن الرفاهيــة والتـرف.
الغـرب “أوروبــأ” يـزعـم أنـه ســيعترف بفصــل الدولتيــن بعــد أيـام معــدودة، مـع أفتتــاح أعمـال الجمعيـة العـامـة للأمـم المتحــدة فـي 23 ســبتمبر 2025م. فهــل الغــرب حقــا لـديـة القــدرة عـلي فــرض هــذا الشــأن عالميـــا، رغمــا عـن ذات العمـاد “غـرب الأطلســي” والـدولـة الملفقـــة “مخلــب ذات العمـاد فـي الشـرق الأوســط”؟.
أعتقــد أن الأجـابـة واضــحه بعــد منــع ذات العمــاد، تأشـــيرات للســلطة والقـيادين والدبلوماســين فـي الضــفة الغربيــة. وهـذا بوضــوح أحبــاط الأعــتراف مـن قبــل الـدول الأوروبيــة، ويعــني بـدون تقـديم أثبــاتات أو أدلـة رفــض هـذا الأعــتراف شــكلا وموضــوعا، ورســالة للغــرب بضــرورة التخــلي عـن هـذا الأعــتراف.
دوارة التــاريخ لا تتعاطــف مـع كـل متخــاذل أو محــايد بالبـاطـل، وفـي التـاريخ القريـــب كـان هنــاك دبلوماســية بيـن ذات العمـاد “بعـد ما أخـذت أوروبـا موقـف التـابع والمحـايد الظـاهر” والأتحـاد الســوفيتي خـلال الحـرب البــاردة. الـدور الأوروبـي كـان موقــف التـابع والخاضــع لتوجيهــات ذات العمــاد، الرضــا بالتبعيــة الغــير مشــروطه كـان واضـح فـي الموقـف الأوروبـي. وتـم أســـتغلال الكراهيـة التاريخيــة الأوروبيـــة لروســيا. فهـل كانــت الحـرب البـاردة لأســقاط القطـب الثــاني “الشــرقي” لتتـربع القطبيــة الأحاديــة لـذات العمــاد عـلي عـرش العـالـم دون منافــس؟.
تبنــي بـوش الأب وتاتشـــر فكــرة البيـت الأوروبـي المشــترك، بالـرغـم مـن تشــكك وكـالـة الأســتخبارات المـركـزية بـذات العمـاد، فـي مصــداقية جورباتشــوف مـن ناحيــة، ومصــداقية أوروبــا مـن ناحيــة آخــري، فالصــدع الروســي الأوروبـي ممتـد تاريخيـــا. فهـل خـدع رونــالـد ريغــان “أســتمر فـي حكـم ذات العمـاد فتـرتين رئاســيتين مـن 1981م حـتي 1989م) جورباتشــوف، بأنهـاء سـياسـة التكتــلات وأســتبدالها بفكــرة البيـت الأوروبـي المشــترك؟.
فـي تقــديري أن أوروبــا وروســـيا ألتقطتـــا الطعــم الـذي ألقتــه ذات العمــاد، للأنفــراد بالهيمنــة بشــكل فــردي “أحـادية القطـــب”، والتـي كانـــت ســـببا رئيســيا فـي أســقاط الأتحــاد الأوروبــي لاحقـــا 2008م. وحـتي لا يكــون هنــاك قطــب منافــس لهيمنــة ذات العمـاد أقتصــاديا “أســقاط اليــورو بعــد تمــدده فـي الســوق الأقتصــادي والمـالـي العالمــي”. وكذلـك تفخــيخ حــدود روســيا أطلســيا عـبر النـاتو، وقـد يكــون ذلـك خطــة لأضــعافها وتفكيكهـــا داخليـــا. أمـا الآن تـم جــر روســيا وأوروبــا الـي حــرب أســتنزاف طـويـلة الأجــل، فروســيا تهـاجـم أوكرانيـــا، وأوروبــا تـدعـم أوكرانيــا بالمـال والســلاح والأســتخبارات، وذات العمــاد حصــلت عـلي مـا دفعتــه مـن دعـم بالأســتحواذ عـلي معــادن أوكرانيــا النــادرة، وذات العمـــاد تهــدد بالأنســحاب مـن النـاتو لكشــف ضــعف قـوي أوروبــا، ولأرهابهــا فـأوروبـا غـير جـاهـزة عســكريا لخـوض معــركة ضــد روســـيا. الخاســـر الأكــبر أوكرانيـــا ويليهــا روســيا ويليهــا أوروبـــا، والمســتفيد الوحيــد ذات العمــاد.
كـان أجتمـاع جـورج بـوش الأب وميخائيـــل غورباتشــوف فـي قمـة مالطـــا 1989م، وفـي تقــديري أن قمـة مالطــا أمتــداد لقمـة ريكيـافيـك 1986م بيـن ريغــان وجورباتشــوف. وقمـة مالطــا تعــتبر أتفــاق رســمي عـلي أنهــاء الحـرب البــاردة، وقــد تعهــد غورباتشــوف بعـدم التـدخـل فـي التغــييرات السـياسـية فـي أوروبـا الشــرقية “ما أســموة بالتحـول نحــو الديمقـراطيـة”، وكذلـك تعهــد بـوش بعــدم أســتغلال التغــييرات السـياسـية، وعـدم توســيع نفــوذ النـاتو.
وفـي تقــديري أن الحـرب البـاردة لـم تنتهــي فـي 1989م، بـل أنتهــت بشــكل فعــلي مـع أنهــيار الأتحـاد الســوفيتي فـي 1991م.
يـزعـم البعــض فـي العــلن، أن سـياسـة ذات العمـاد لـم تكـن تنــوي تفكيــك الأتحـاد الســوفيتي. بـل أســتعادة دول البلطــيق الثـلاثـة (أســتونيا – لاتفيـــا – ليتــوانيا) أســتقلالها، وهـذا مـا حـدث فعليـــا (أســتونيا حصـلت عـلي الأســتقلال أغسـطس 1991م – لاتفيـــا حصـلت عـلي الأســتقلال فـي أغسـطـس 1991م – ليتــوانيا حصـلت عـلي الأســتقلال فـي مـارس 1991م). لكــن أســتقلال دول البلطــيق كـان البـدايـة الفعليـــة لمـزيد مـن التغــيير فـي الحـدود الجغـرافيـة للأتحـاد السـوفيتي، والمتبـقي منـه الآن روســيا الأتحـادية بعـد أنفصــال العـديد مـن الـدول (فـي القـوقـاز تـم أنفصــال جورجيــا – أرمينيــا – أذرابيجــان، وفـي آســيا الوســطي تـم أنفصــال كازاخســتان – أوزبكســتان – تركمانســتان – قيرغيـزســتان – طاجيكســتان، وفـي أوروبــا الشــرقية تـم أنفصــال أوكرانيـــا – مـولـدوفـا – بيلاروســيا). الغريــب والمثــير للريبـــة أن قبــل الأتحـاد الســوفيتي مباشــرة، أجتمـع بــوش مـع البرلمـان الأوكـراني (الــرادا) فـي أغسـطـس 1991م، وألقـي فيـه خطـاب يحــث الأوكرانييـن عـلي عـدم الســعي للأســتقلال الكـامـل عـن الأتحـاد الســوفيتي، وحـذر ممـا أســماه القوميــة المميتــة التـي قـد تـؤدي الـي أســتبداد جـديـد. وهــذا الخطــاب شــديد الشــبه بخطــاب ريغــان الـذي ألقــاه أمـام بـوابـة برانـدنبــورغ فـي يونيـــو 1987م، والـذي ســقط عـلي أثـره جــدار برليــن فعليـــا فـي نوفمبـــر 1989. أعتقــد أن هـذا ليـس صــدفة تمــت بشــكل عشــوائي. وفـي تقــديري أن خطـاب بـوش للبـرلمـان الأوكــراني هـو للأعــلام فقــط، فبعــد أقـل مـن شــهر أعــلن البرلمـان الأوكـراني أســتقلال أوكرانيـــا. وتـم تأكيــد الأســتقلال بأســتفتاء شــعبي فـي ديســمبر 1991م. فهــل مـا حـدث مخالفـــة لرغبــة ذات العمــاد، أم تنفــيذ لتعليمـاتها فـي الغـرف المظلمــة؟.
لــذا روســيا تعلمــت مـن الـدرس، وكانــت الحاجـة الروســية الماســة الـي الأصــلاح الأقتصــادي والأكتفــاء الـذاتي بالغــذاء، بالأضــافة الـي ســباق التســلح حـتي لا تكــون لقمـة ســائغة فـي فـم الغــرب. ومـع تمــدد النـاتو كبـديل لوارســو، أدركــت روســـيا رغبــة أوروبــا وذات العمــاد فـي تغــذية القـوي القوميـــة وليـس العكــس “مـزيد مـن الأنفصــال عـن روســيا الأتحـادية”، لـذا كـان الـرد الروســي الأســتحواذ عـلي القـــرم. ذات العمــاد دعمــت الحـركـات الأنفصــالية فـي جنــوب الســودان وتيمــور الشــرقية، لكنهـــا لـم تـدعـم أو تعــترف بأنفصــال القــرم، عـلي الرغـم مـن روســية ســكانها (80% عـلي الأقــل روس)، ومـن المفــترض أن لهـم الحـق فـي تقــرير المصــير كالآخــرين. وهـذا درس آخــر لروســيا، لـذا مـع الأســتفزاز مجــددا لروســيا أقتحمــت أوكرانيـــا، ليقــين روســيا أن النـاتو صــار تهــديد هجــومي بـدلا مـن كــونه دفــاعي للـردع.
تمـــدد النــاتو بشــكل كــبير فـي 1999م، وهـاجـم النـاتو يوغوســلافيا دون تفـويـض مســبق مـن الأمـم المتحــدة. وكـان الصـراع فـي كوسـوفو لمنـع الأغلبيــة الألبانيـــة المسـلمة مـن الأنفصــال “الأســتقلال عـن صــربيا”. ولـم يـتم دعـم الأغلبيــة الألبانيـــة، بخـلاف المجــازر فـي البوســنة ويقــال أن النـاتو كـان شــريك فيهــا. وهكــذا أتضــح أزدواجيــة المعـايير الغربيـــة لروســيا وللعـالـم أجمـع لمـن يعقــل، وقـد أدانــت روســيا الهجــوم. وأعتبــرته تعـديا عـلي ســيادة دولـة صــديقة. مما ســاهم فـي تدهــور العـلاقـة بيـن روســيا والنـاتـو “وهـذا مـا يـؤكـد أن النـاتو لـم يعـد تحالـف دفـاعي بـل صــار هجــومي”. وكذلـك مهـاجمـة النـاتو للعــراق، بـذرائع ملفقـــة وأتضـح فيمـا بعـد أنهـا كـاذبـة. مـع أن العــراق لـم تهــدد آي عضــو فـي النـاتـو. لـذا أعتـــبرت روســيا هجمـاتها عـلي أوكرانيــا، حـق مكتســـب وبـديـل عـن تمــدد النـاتو لأســتهداف أمنهــا القــومي.
فـي تقــديري أن روســيا لـم تكــن تنتــوي التمــدد فـي أوروبـــا، بـل الـي مـزيـد مـن الشــراكة الأقتصــادية. وخاصــة المـواد الخـام التـي تحتـاجها أوروبــا وروســيا مصــدر لهـا، وكذلـك مجـال الطــاقة “النفــط والغــاز”. لكـن أوروبــا رفضـــت هـذه الشــراكة، بـذرائع تنـم عـن الكراهيــة الشـديدة لروســيا. والآن أوروبــا تشــتري النفــط وغــاز ذات العمــاد الأقـل جـودة، بأســعار باهظــة دون أعــتراض، وقـد يكــون هـذا دليــل عــلي الضــعف والخـلل فـي السـياسـة الأوروبيــة.
فشــل القــادة الغربييــن فـي أتفـاقيـات مينســك الأولـي والثانيــة، وفـي أنتهــاك أتفـاقيـات أبرموهــا بشـكل رســمي وتجاهـلولهـا أحيــانا. دفـع روســيا أن تكيــل هـي الآخــري، بمكيـالين كمـا الغــرب بحجـة الحفـاظ عـلي مصـالحها هـي الآخـري.
عـدم فهــم جـذور العــنف والصــراع، هـو فشــل القيــادة فـي المحافظــة عـلي مقـــدرات الشــعوب كـافـة، كحقــوق أنسـانية عالميــة، لا تقتصــر عـلي عـرق أو طائفــة دون الآخــري. والأســراف فـي أســتخدام العقـوبات الأقتصــادية والضــرائب الجمـركيـة، يخــل بالنظــام التجــاري الـدولـي. والشــعوب هـي مـن تتحمــل الأعبــاء دون النحبـــة. أســتخدام النظـام المـالي العالمـي لأغـراض سـياسـية عدائيـــة، يعـني أن الأقتصــاد والسـياسـة صــاروا فـي المنــاطق الرمـادية شــديدة القتــامة. وهكــذا تتحــول الشــراكات مـن منافســة الـي صــراع حـد النـزاع العســكري المســلح.
للأســف أوكرانيـــا فـي مأســاة، وخاصــة أن الحـلول كـان مـن الممكــن أتخــاذها فـي الســابق. لكـن تعســـف الأتحــاد الأوروبـي، وأســتخدام أوكرانيــا كمخلــب أنتقــامي آدي الـي دمـار أوكرانيـــا للأســف الشــديد.
خـالـد عبـد الصــمد.

