بقلم: د. دعاء معاطي
على حافة النهر الكبير في المساء بعد العاشرة، تجلس ليلى حطامًا بعقلٍ شارد ورأسٍ فارغة من الشعر مغطاةٍ بغطاءٍ قطني ويدٍ بها بؤرٌ زرقاء من الحُقَن الكيماوية. تتذكَّر لحظة تخرجها وأبًا يحتضنها وأمًا ترفع بصوت الفرحة صوتها. ثم تنتقل من البيت الكبير، الذي تسمع فيه كلمات الحنان والحب، والقوت القليل، وملابس يلبسها الإخوة بالتناوب، إلى بيتٍ لامعٍ وملابس منمَّقة وتكييفٍ في كل غرفة وزوجٍ مثقَّف، وعباراتٍ باردة، وتنمُّرٍ على كل شيء.
في البداية، كان التنمُّر على طريقة الكلام والملبس وبساطة العائلة. وتمر السنون والأعوام وتنتقل عبارات التنمُّر إلى تجاعيد الوجه. التنمُّر في كل شيء أمات حتى الخلايا، جعلها تموت يومًا بعد يوم، وتموت الضحكة في وجه أطفالها.
ولا يشعر الأب المتنمِّر بما فعل إلا بعد تشييع قلبٍ أحبَّه إلى جثمانه الأخير. جلس على الكرسي نفسه يتذكر عينين كم توسَّلت كلمة شكرٍ على طعامٍ أُعِدَّ، أو كلمة ثناءٍ على أي شيء. لم يتذكر حرفًا طيبًا قاله، أو حتى مجاملة. حانت ساعات النَّدَم، ولكن فات الأوان.
التنمُّر ليس سلوكًا بين الغرباء فقط، هو مرضٌ يسري في شريان المجتمع، قد يقتل المتنمِّر عائلته ويُدمي قلوبًا، وقد يقتل صاحبه. علاج التنمُّر يُنقذ أُسرًا من الحُطام. ما لا يعجبك في شريك حياتك أشياء يُقدِّرها غيرك بالكنوز. البُصَيْلات البيضاء خبرة، وتجاعيد البشرة صلابةٌ وتحدٍّ للزمن، والصبر على الزمن طيبة. القلوب الموجوعة من الألم تتسع لنا عندما يضيق علينا الزمن.
عندما نترك التنمُّر بين الأطفال والأشخاص، نترك شجر السنط والشوك يسري في حدائق القلوب، يَخنُق عِقْد الياسمين والفل. التنمُّر سرطان يهدِّد العالم.
يتعرَّض ثلث شباب العالم للتنمُّر، وتؤكِّد الدراسات أن 20% من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و18 عامًا يتعرَّضون للتنمُّر في مرحلةٍ ما من حياتهم.
من أول من حارب التنمُّر؟
تعدَّدت الدراسات والأبحاث التي تؤكِّد أن محاربة التنمُّر انطلقت الدعوة إليها في عام 836، ولكن أؤكِّد أن أول دعوةٍ لنَبْذ التنمُّر دعاها المربي الأول محمد صلى الله عليه وسلم، عندما قال لأبي ذر: “يا ابن السوداء”، فأجاب صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر، إنك امرؤٌ فيك جاهلية”.
اطرحوا التنمُّر جانبًا، فقد يقتل أعزَّ من تحبون ويُميت الفرحة في قلوب أحبابكم.

