بقلم الدكتورة/ نسرين بدير
في تاريخ كل أمة رجالٌ عظماء قادوا شعوبهم في ميادين النضال والكفاح وسعوا لتحرير أوطانهم من قبضة الاستعمار حاملين على عاتقهم آمال الجماهير وطموحات الأوطان وقد استطاعوا بفضل ما امتلكوه من شجاعة وبصيرة وموهبة قيادية أن يغيّروا مجرى التاريخ، ويخلّدوا أسماءهم في وجدان شعوبهم. ومن بين هؤلاء العظماء يبرز اسم عمر المختار، الذي أصبح أيقونة للمقاومة الليبية ورمزًا للكرامة العربية. أسد الصحراء عُرف عمر المختار بلقب “أسد الصحراء”، وكان قائدًا للمقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي حيث تصدّى ببسالة للمستعمر الغاشم على مدار عشرين عامًا من الكفاح خاض خلالها معارك ضارية ألحقت بالعدو خسائر فادحة رغم تفوقه العددي والتقني. ورغم ذلك، انتهت مسيرته البطولية بالأسر والإعدام شنقًا عام 1931 إلا أن ذكراه ظلت خالدة، وصورته محفورة في قلوب الأحرار وُلد عمر المختار عام 1862 في قرية جنزور بالقرب من مدينة البيضاء في منطقة برقة شرقي ليبيا تُوفي والده في سن مبكرة فنشأ في كنف الحركة السنوسية وهي حركة إصلاحية إسلامية كان لها أثر كبير في تكوين شخصيته. تلقى تعليمه الديني في واحة الجغبوب وتعمّق في علوم الشريعة ليصبح لاحقًا معلمًا وداعية قبل أن يُعرف كقائد مقاوم مواجهة الاحتلال الإيطالي مع بداية الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911 كان عمر المختار من أوائل من تصدوا له بالسلاح وتحوّل سريعًا إلى رمز وطني للثوار. برع في حرب العصابات واستغل معرفته الدقيقة بتضاريس الصحراء لصالحه مما مكنه من تنفيذ هجمات مباغتة أوقعت الرعب في صفوف القوات الإيطالية وأربكت خططهم رغم تفوقهم صفات استثنائيةاتّسم عمر المختار بصفات شخصية وإنسانية وعسكرية جعلته محل إجماع وإعجاب، ومن أبرزها كان ورعًا محافظًا على فروض دينه لا يفتر عن الذكر وقراءة القرآن تميز بثباته ورباطة جأشه وتجلى ذلك في عبارته الشهيرة: نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت امتلك كاريزما فريدة مكّنته من توحيد القبائل الليبية تحت راية واحدة عُرف برجاحة العقل وبعد النظر في اتخاذ القرارات المصيرية كان مخلصًا لوطنه حتى اللحظة الأخيرة لا يُساوِم ولا يتراجع في عام 1931 وبعد معركة حامية في منطقة سلوق جنوبي بنغازي وقع عمر المختار في الأسر أُجريت له محاكمة صورية أمام محكمة عسكرية إيطاليةحُكم عليه فيها بالإعدام وفي صباح السادس عشر من سبتمبر من العام نفسه نُفذ حكم الإعدام شنقًا أمام جموع من أبناء شعبه في محاولة لترهيبهم، لكن المشهد تحوّل إلى لحظة فخر وبكاء واعتزاز رغم استشهاده لم تنطفئ جذوة المقاومة بل زادته شهادة عمر المختار قدسية ومكانة وظلّ اسمه يتردد في كتب التاريخ وعلى لسان الشعراء وفي ضمير الأمة العربية رمزًا للفداء والعزة والكرامة. كما جسدت سيرته العديد من الأعمال الأدبية والسينمائية أبرزها فيلم “أسد الصحراء” الذي أعاد إحياء ملحمته للأجيال الجديدة إن عمر المختار ليس مجرد شخصية تاريخية بل قيمة إنسانية ووطنية لا تذبل هو صوت الحق الذي لا يخبو ورمز الصمود في وجه الطغيان وستظل ذكراه نبراسًا لكل من يسعى للتحرر ولكل من يرفض الانكسار، فهو حقا رمز الصمود

