بقلم: د. تامر عبد القادر عمار
تعيش محافظة المنوفية هذه الأيام حالة من الحراك الهادئ والمحموم في آنٍ واحد، استعدادًا لملحمة انتخابية جديدة تلوح في الأفق مع اقتراب استحقاق انتخابات مجلس الشيوخ. ساعات قليلة تفصلنا عن انطلاق ماراثون انتخابات مجلس الشيوخ، حيث يتجه ملايين المصريين إلى صناديق الاقتراع في يومي 4 و5 أغسطس، في مشهد ديمقراطي جديد يتجدد فيه العهد بين الشعب والدولة. وفي قلب هذا المشهد، تقف محافظة المنوفية بكل ما تحمله من ثقلٍ انتخابي وتاريخٍ سياسي، على أعتاب لحظة حاسمة، إذ تشهد أجواءً ساخنة لكنها هادئة، تتسم بالحكمة في الاختيار، والوعي بأهمية المشاركة، إن المشهد السياسي في الشارع المنوفي يحمل مؤشرات واضحة، تؤكد أن المحافظة ستكون -كالعادة– واحدة من أبرز ساحات التفاعل والمشاركة، على غرار ما شهدناه في استحقاقات سابقة كانت فيها المنوفية على قدر المسؤولية والوعي.
في أزقة القرى ومقاهي المراكز، وفي مكاتب الأحزاب وبيوت العائلات الكبرى، تُدار الحوارات ويُطرح السؤال الأهم: من يستحق أن يمثلنا؟ سؤال يتجاوز الأسماء والألقاب، ليصل إلى عمق الإحساس العام بأن المواطن بات أكثر وعيًا بحقوقه، وأكثر دقة في اختيار من يُعبّر عنه تحت قبة المجلس.
وسط هذا الحراك، يبدو “حزب مستقبل وطن” وكأنه بدأ السباق مبكرًا، لا على مستوى الدعاية، ولكن من حيث التنظيم والانخراط في نبض الشارع. الحزب الذي بات رقماً سياسيًا يصعب تجاوزه في المشهد المصري، يستعد بكل طاقاته وكوادره لخوض المعركة القادمة بمنهجية محسوبة، وبتواصل فعّال مع الجماهير في مختلف قرى ومراكز المحافظة. لا شعارات فارغة، ولا وعود موسمية، بل تحرك على الأرض، واستماع حقيقي، وجهدٌ يُبذل في صمت.
ما يميز هذه المرحلة أنها لا تُقاس فقط بعدد اللافتات ولا بحجم الحشود، بل تُقاس بثقة الناس، وبقدرة المرشح أو الحزب على أن يكون قريبًا من المواطن، يفهم همومه، ويقدم ما يُطمئن الناس أن التغيير ممكن حين تكون النوايا صادقة.
اللافت أن المزاج العام في المنوفية هذه المرة أكثر انتقائية. المواطنون يريدون ممثلين يحملون خبرة حقيقية، وملفات واقعية، وقدرة على التأثير داخل المجلس، وليس مجرد وجوه معتادة تملأ المقاعد دون أثر يُذكر. وهناك إدراك واضح بأن مجلس الشيوخ، وإن لم يكن مجلس تشريع مباشر، إلا أنه مؤسسة مؤثرة في صناعة القرار، وفي توجيه البوصلة السياسية والتنموية للدولة.
المعركة القادمة ليست فقط صراعًا انتخابيًا، بل هي جزء من بناء الدولة. إنها اختبار جديد للشارع المصري، ولوعي المواطن، ولقدرة الأحزاب على أن تكون في مستوى طموحات الناس. والمنوفية، بتاريخها السياسي العريق، ومكانتها الاجتماعية، مؤهلة لتكون نموذجًا في الحضور الهادئ، والمشاركة المسؤولة، والاختيار الواعي.
قد لا تكون الانتخابات قد بدأت بعد، لكن العد التنازلي انطلق في عقول الناس ووجدانهم. والقادم، بلا شك، سيحمل في طياته الكثير من المفاجآت، وربما يعيد تشكيل الخريطة السياسية داخل المحافظة. لكن الثابت الوحيد هو أن أبناء المنوفية سيظلون –كما عهدناهم– حُراسًا للديمقراطية، وركنًا أصيلاً في معادلة الاستقرار والبناء
د. تامر عبد القادر عمار
كاتب صحفي
خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي
مهتم بقضايات التنمية والعلاقات الانسانية

