✦ الصفحة الثانية: بذور التكافل في المجتمعات البدائية
قبل أن تتشكل الدول وتُكتب القوانين، كان الإنسان يعيش في جماعات صغيرة، في الغابة أو على ضفاف النهر أو في السهول. لم يكن هناك مال ولا أسواق، بل كان البقاء مرهونًا بالقدرة على الصيد أو جمع الثمار. في تلك اللحظة البدائية، وُلدت أول بذور العدالة، لا كفلسفة مكتوبة، بل كغريزة للبقاء.
كان أفراد القبيلة يتقاسمون صيد اليوم، لأن من يأكل وحده ويترك الآخرين للجوع، لن يجد من يحميه غدًا إذا هاجمه الوحش أو مرض. فالأمن الجماعي والرزق المشترك لم يكونا رفاهية، بل شرطًا للنجاة. بهذا المعنى، عرف الإنسان الأول الملكية الجماعية قبل أن يعرف الملكية الخاصة. الأرض للجميع، والماء للجميع، والغابة للجميع، وما يُقسم يُقسم بالعرف والرضا.
ومع ظهور الزراعة، زاد الارتباط بالأرض. كان الحرث والسقي والحصاد أعمالاً جماعية، ومن هنا وُلدت فكرة أن الجهد المشترك يجلب الخير للجميع. وحين تفيض المحاصيل، تُخزن في مخازن القبيلة أو القرية، وحين يشح المطر، تُوزع بما يكفل الحد الأدنى للجميع. هذه الروح الأولى من التضامن كانت أشبه بـ”اشتراكية فطرية”، بلا تنظير ولا شعارات.
لقد علّم الإنسان البدائي أبناءه درسًا بليغًا: أن الفرد ضعيف وحده، وأن القوّة في الجماعة، وأن الخبز إذا كُسر وتوزّع صار ألذ وأبقى من أن يُلتهم في عزلة. وهكذا غُرست في وجدان البشرية أول نواة للحلم، نواة ستكبر عبر الأزمان لتصبح نظرية وفلسفة وراية ترفعها شعوب بأكملها في وجه الظلم.

