في ساحات الحرب المعاصرة، حيث تتشابك المصالح وتتخفى الدول وراء واجهات غامضة، لم يعد الجنود التقليديون في الزي الرسمي هم فقط من يحملون السلاح، بل برزت بقوة كيانات هجينة، ليست جيوشاً نظامية ولا مجرد حراس أمن، إنها الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، تلك المنظمات التي تعمل في منطقة رمادية خطيرة بين القانون الدولي والسيادة الوطنية، تجند محاربين قدامى ومرتزقة من كل حدب وصوب، تبيع الخدمات الأمنية والقتالية لأعلى سعر حكومة أو شركة أو حتى جماعة مسلحة، دون أي ولاء .
هذه الظاهرة خلقت ثغرة قانونية هائلة في قلب القانون الدولي الإنساني، فاتفاقيات جنيف التي تنظم سلوك الأطراف في النزاعات المسلحة، صُممت أساساً للدول وجيوشها النظامية، بينما اتفاقية مونترو التي حاولت تنظيم هذه الشركات، تظل طوعية وغير شاملة ولا تلامس جوهر إشكالية المساءلة، مما يخلق فضاءً من الإفلات من العقاب، حيث يمكن لدولة ما أن تتخلى عن مسؤوليتها عن انتهاكات حدثت بأيدي مقاتلين تدفع لهم، بمجرد أنها وقعت عقداً مع شركة خاصة، وكأن الحرب يمكن أن تصبح مناقصة تجارية .
المشكلة ليست فقط في وجود هذه الشركات، بل في طبيعة أنشطتها التي تتلاعب بالحدود القانونية، فهم ليسوا مقاتلين نظاميين يمكن محاسبتهم كأسرى حرب عند القبض عليهم، وليسوا مدنيين لأنهم يحملون السلاح ويديرون عمليات قتالية، مما يضعهم في منطقة عدمية يصعب معها تطبيق القانون، وعندما يرتكبون انتهاكات كقتل مدنيين أو تعذيب سجناء، من المسؤول؟ هل هي الدولة التي وظفتهم؟ أم الدولة التي يسجلون على أراضيها؟ أم المدير التنفيذي للشركة في مكتبه المكيف؟ غالباً ما يسقط اللوم في الفراغ، فتتهرب الدولة المتعاقدة بالإنكار، وتتهم الشركة الأفراد المنفذين بأنهم تجاوزوا التعليمات، ويغرق الضحايا في دوامة من المحاكم التي لا تعترف باختصاصها ولا تملك الأدلة الكافية. لإغلاق هذه الثغرة، يجب على المجتمع الدولي أن يتجاوز الترقيع ويتوجه نحو معاهدة دولية ملزمة، ترفع الغطاء الشرعي المزيف عن هذه الكيانات، المعاهدة يجب أن تضع تعريفاً واضحاً وصارماً للشركات العسكرية الخاصة وأنشطتها المحظورة على مهام دفاعية وأمنية محدودة جداً بعدم اللجوء إليها للقيام بمهام قتالية .
الأهم من ذلك، يجب أن تنص المعاهدة على المسؤولية الجنائية المشتركة، حيث تتحمل الدولة المتعاقدة المسؤولية الكاملة عن أي انتهاكات ترتكبها هذه الشركات العاملة نيابة عنها، كما لو كانت وحدة من جيشها، وأن تتحمل الدولة الموفدة للشركة مسؤولية الملاحقة القضائية إذا فشلت الدولة المتعاقدة في ذلك، مع إنشاء سجل دولي علني لهذه الشركات وأفرادها، لمنع المجرمين والمنتهكين من الانتقال من شركة إلى أخرى تحت أسماء مستعارة، وأن تخضع ميزانياتها وعقودها لرقابة دولية صارمة لمنع تحولها إلى قنوات للتمويل غير المشروع أو غسيل الأموال بدون هذه الخطوة الجريئة، سنشهد مزيداً من خصخصة الحرب، حيث تصبح الصراعات سلعة يستأجر فيها الأثرياء جيشاً خاصاً، وتتآكل سيادة الدول لصالح شركات لا وطن لها ولا ضمير، ولا تعترف إلا بقوة العقود، مما يحول الحرب من مأساة إنسانية إلى استثمار تجاري، ويقوض أسس القانون الدولي الإنساني الذي كافح العالم لعقود لبنائه، ويترك الضحايا دون عدالة تذكر، في مشهد مأساوي حيث يكون المحامي أغلى من المجند، ويكون بندقية المرتزق أصدق من القانون

