لم يعد اغتيال الوعي يحتاج إلى رصاص أو سجون، بل إلى شاشة مضيئة، وإنترنت سريع، وإصبع يضغط على زر الإعجاب. في هذا العصر الرقمي، تُدار أخطر المعارك بعيدًا عن ميادين القتال، داخل العقول، حيث تُعاد صياغة المفاهيم، وتُشوَّه الحقائق، ويُسوَّق الزيف في ثوب الحقيقة.
تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي من مساحات للتعبير الحر إلى أدوات ضغط نفسي وفكري، تصنع الرأي العام في ساعات، وتُشعل الغضب أو الإحباط خلال دقائق. لم يعد التريند انعكاسًا للواقع، بل صار في كثير من الأحيان بديلًا عن الحقيقة. مقطع فيديو مجتزأ، أو عنوان مضلل، كفيل بإشعال ساحة افتراضية من الاتهام والجدل، قبل أن تظهر الوقائع كاملة، ثم تختفي القصة دون اعتذار أو تصحيح، وكأن وعي الناس مجرد موجة موسمية.
الأخطر من المحتوى الهابط، هو المحتوى الموجَّه الذي يتخفّى خلف شعارات براقة. نماذج نجاح وهمية تُعرض يوميًا: ثراء بلا مصدر، شهرة بلا قيمة، وحياة مثالية لا تعكس واقعًا حقيقيًا. يتلقّى الشباب رسالة مشوَّهة مفادها أن النجاح لا يحتاج إلى علم أو جهد، بل إلى «لقطة» مثيرة أو ظهور مفاجئ. ومع تكرار المشهد، يتسلل الإحباط، وتُفقد الثقة في قيمة العمل الحقيقي والاجتهاد طويل النفس.
وفي خضم هذا الضجيج، تُشوَّه القيم تحت لافتة الحرية. محتوى يُقدَّم باعتباره جريئًا أو مختلفًا، بينما هو في جوهره كسر للثوابت وتسطيح للذوق العام. ومع التكرار، يصبح المرفوض مألوفًا، والمستنكر عاديًا، في عملية تطبيع خطيرة تُفرغ القيم من معناها، وتُربك ميزان الصواب والخطأ لدى الأجيال الجديدة.
أما الشائعات الرقمية، فقد تحوّلت إلى سلاح ناعم لا يقل خطرًا عن أي تهديد مباشر. خبر غير موثَّق، أو معلومة مغلوطة، تنتشر بسرعة هائلة، خاصة في القضايا الاقتصادية أو الأمنية، فتزرع القلق والخوف، وتُربك الشارع. ورغم النفي لاحقًا، يكون الأثر قد تحقق، لأن الشائعة لا تحتاج إلى دليل بقدر ما تحتاج إلى مشاركة.
وفي مشهدٍ موازٍ، انتشرت ثقافة التنمّر والتشويه، حيث تُخصِّص بعض الصفحات محتواها للهجوم على الأشخاص الناجحين أو المختلفين، وتحويل النقد إلى تصفية حسابات وسخرية علنية. هذه الثقافة لا تدمّر الأفراد فقط، بل تقتل الطموح، وتخلق مناخًا عامًا يخشى فيه الناس التميّز، خوفًا من التشويه أو الهجوم.
ولم تسلم القضايا الكبرى من هذا التسطيح. قضايا مصيرية مثل التعليم، الهوية، أو الهجرة، تُختزل في مقاطع قصيرة لا تتجاوز دقائق، بلا تحليل أو عمق، فيتحول النقاش العام إلى آراء سطحية، ويصبح الصوت الأعلى هو الأكثر مشاهدة، لا الأكثر فهمًا.
وسط كل ذلك، تراجعت قيمة المعرفة، وتقدَّم التريند. لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل: كم شاهدنا؟ ولم يعد المعيار هو التأثير الحقيقي، بل عدد المتابعين. هكذا تحوّل بعض صُنّاع المحتوى إلى أوصياء على الوعي، يملكون التأثير دون امتلاك الرؤية أو المسؤولية.
المسؤولية هنا جماعية. الأسرة مطالبة باستعادة دورها التربوي، والمدرسة بدورها التنويري، والإعلام بواجبه المهني في الفرز والتصحيح، لا في ملاحقة الإثارة. كما أن حماية الوعي العام لم تعد شأنًا ثقافيًا فقط، بل قضية أمن قومي، في زمن تُدار فيه الحروب بالعقول قبل الحدود.
لسنا ضد حرية التعبير، لكن الحرية بلا وعي فوضى. ولسنا ضد التكنولوجيا، لكن التكنولوجيا دون ضوابط أخلاقية تتحول إلى أداة هدم ناعمة. المعركة الحقيقية اليوم ليست على الشاشات، بل على ما تزرعه هذه الشاشات داخل العقول.
فالأمم لا تُهزم حين تُقهر عسكريًا فقط، بل حين تفقد بوصلتها الفكرية، وتسمح لغيرها أن يحدد لها كيف تفكر، وماذا تصدّق، وإلى أين تتجه.

